تعترف الشاعرة اللبنانية ندى الحاج، في كتابها الجديد "خطوات من ريش"، بأنّها كلما توغّلتْ أكثر في الشعر، تعمّق لديها انتماؤها إلى الحب في روعة رحلته وهذيانه، "قدماي في التراب وجناحاي في الغيوم / تلك السحابات اللطيفة القاطنة في الرأس / تتكثّف قبل كل مطر وحب ".
إنّه كتابها الشعري العاشر الذي تستدعي فيه كلّ العناصر والتفاصيل الدقيقة التي تقول غربتها على الأرض وانتماءها إلى عالمٍ نسجتهُ في عزلة، "كلّي يبحثُ عن أجزائي/ وأجزائي تلملمها شذراتي/ صوتها عابرٌ وهمسها صدى".
تقدّم ندى الحاج كتابها الأخير كأنه على مذبح ولادتها الجديدة. "طويتُ الأسماء بانتظار تكوين جديد / لأسمع اسمي في الهتاف الأخير". وعن سؤالٍ أوّل وبديهي لـ "نداء الوطن" حول الشعر "هل تشعرين كلّما تعمّقتِ في التجربة الشعرية بأنّكِ تستكملين مساراً معيّناً وواحداً، أم أنّ كلّ تجربة هي مغامرة جديدة في حدّ ذاتها؟"، تجيب أنّ "كلّ شاعر أو فنّان أو رسّام أو موسيقي أو غيره، يلاحقُ في مسارهِ خيطاً واحداً، فينطلق من الذات وتتكثّف التجارب لديه".
تعتبر الحاج أنّها شخصيّاً لم تنتقل في شعرها يوماً من النقيض إلى النقيض، فهي في انسجام مع تجاربها، تلك التي تقودها وتمسك بيدها إذ لكلّ مغامرة شعرية أسلوبها وتعابيرها ومناخها. تضيف أنها تكتبُ يوميّاً من دون توقّف وهي تعيش هذه الحالة بتطرّف، تكتبُ على الورق كما على الهاتف النقّال. وعندما تكتمل القصيدة، تفرضُ نفسها واضحة مكتملة
تأثير الوالد
وعند سؤالها عن تأثير والدها الشاعر الراحل الكبير أنسي الحاج على مسارها، وعن إمكانية دعم هذه القرابة لكتابتها الشعر أو زيادة الخوف لديها من مقاربات الآخرين لشعرها، أجابتْ أنها لم تكتب يوماً من موقع أنها ابنة أنسي الحاج، بل هي كانت دائماً مدفوعة للكتابة من دون قرار ومن دون خيار، وتوضح "لم يحاول أبي يوماً أن يؤثّر عليّ أو أن يتدخّل بكتاباتي، ولكن حين أعيد النظر في كتاباتي القديمة، أجد أنها تُذكِّر أحياناً بشِعره، وذلك حصل عن غير قصد. حالياً بعد رحيله عن هذه الحياة، أشعرُ أنه معي دائماً حتى أنني أعيش تجربة منذ حوالى الشهرين حيث أكتب حواريّات نشرتُ بعضاً منها في مواقع التواصل الاجتماعي. الآن أشعرُ أنه أقرب إليّ من دون الحواجز الأرضية التي كانت موجودة".
وفي إشارة إلى قصائدها في "خطوات من ريش"، التي تحمل دوماً للحب ولحال المحب وصفاً فلسفيّاً وروحانيّاً ووجوديّاً، وكأنها تربط الحبّ بصورة الله بالمعنى الصوفي، اعتبرت ذلك صحيحاً، وتأكيداً استشهدتْ بقولٍ للمطران جورج خضر، قبل قصيدة في الكتاب جاء فيه "أنت تحبّ لأن الله ساكن فيك". تتابع "شخصيّاً أؤمن أنه عندما نحب، والحب ليس فقط بمعنى العشق بل كلّ أنواع الحب، نشعر بطعم الجنّة المفقودة التي نبحثُ عنها. وعندما نحب، نرى الآخر بأجمل وأبهى صورة يمكن أن يكون فيها. ربما هو لا يكون كذلك، لكن نحن نراه كما نريد. عندها نعيش في صورة نورانية تشبه الحالة التي نراها في الله. هناك ذرّات من الله داخلنا، نلتقطها عندما نحبّ، وكلّما غذّينا هذه الذرّات نعثرُ عليها أكثر، والحب هو حالة تشبه النعمة.
القصائد القصيرة
وحول كتابتها الدائمة للقصائد القصيرة، تقول ندى الحاج إنها تحب الاختزال والتكثيف، كما تحب التلميح، ولا تغريها المطوّلات، "ربما لهذا اخترتُ الشعر لا النثر، وأحياناً أخبر قصة قصيرة في قصيدة فتكون مختزلة".
ثمة مقتطفات كثيرة في الكتاب قبل كل قصيدة، مأخوذة من ابن عربي والنفري وابن الفارض وجلال الدين الرومي وغيرهم، وكأنّ الإلهام الشعري لدى ندى الحاج لا يصل سوى من العصور القديمة في الشعر العربي. حول هذا الموضوع، تقول إنها لا تجد الشعر الصوفي قديماً، بل عصريّاً بامتياز، "أتواصل مع هؤلاء الشعراء والفلاسفة أكثر ممّا أتواصل مع الذين يعيشون من حولي في هذا العصر. فعليّاً، أشعر وكأنني أنتمي إلى مكانٍ آخر خارج هذا العصر، وأحبّ اللغة التي استخدمها هؤلاء، ليس في كل الكتابات بالتأكيد، ولكن هناك من عرف كيف يستخدم اللغة بأجمل ما يمكن. اللغة مفاتيح وليست غاية بحد ذاتها، وهؤلاء تخطّت لغتهم الحدود التي نضعها نحن اليوم. كلّ كلمة لها مكانها وإلّا تصبحُ حشواً. الشعر هو إنصات. إنصات لروح الكلمة ولروح القارئ الذي نطمح للوصول إليه.
تواصل في الغياب
عن مدى التقاء شعرها بقصائد الوالد تقول إنه بالمنحى الروحاني وبمنحى الانعتاق والحرية، ثمة تشابه أكيد، وتضيف "كلّما تقدمتُ بالعمر، أكتشفُ في شعره تفاصيل لم أكن واعية لها تماماً، إن في شذراته الكتابية وإن في الشعر أو في النثر، وأكتشف أنني أشبههُ أكثر مما ظننتُ وأنا صغيرة. حالياً، وفي غيابهِ، أتواصلُ معه شعريّاً وكتابيّاً وروحانيّاً أكثر مما أتواصل مع الناس من حولي. وعن أحبّ الكتب إليها من بين مؤلّفات والدها، تقول إنه بالتأكيد كتاب "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، لأنّ الدرجة الروحانية التي توصّل إليها فيه كبيرة ومؤثّرة للغاية. أما كتبه الأولى، مثل "لن" و "الرأس المقطوع"، فتُشعرها بكمية الغضب والثورة التي وضعها في قصائد هاتين المجموعتين تحديداً. وتكشف "حتى هو كان يتساءل من أين أتى بكلّ هذا الغضب. كانت صرخة الشباب. لكن حتى في كتابه "الوليمة" كتب بغضب ورفض وثورة".
أسألها عن كيفية تعاملها مع غياب الوالد الذي كان لرحيله أثر كبير خصوصاً على الصعيد الشخصي، تقول ندى الحاج إنها تعيش الغياب والحضور بشكلٍ متناغم، لأن ليس هناك غياب مئة في المئة. فالغياب نسبي وثمة ما يؤكِّد لنا ذلك، كالأحلام والإشارات والرموز التي في الأحلام.
ولدى سؤالنا عن مشروع متحف صغير لأنسي الحاج يضمّ أغراضه وأدوات الكتابة وأوراقه، والذي سبق وتقدّمت به من دون أن يلقي آذاناً صاغية، تُجدّد الحاج الطلب للعهد الجديد الذي تأمل خيراً منه، قائلة إنّ "كلّ مكتبة أنسي الحاج موجودة. كل أغراضه، كتبه، أوراقه، لوحاته، صوره... كلّه موجود. لكن احتفظ بها في غرفة في منزلي ولديّ أمل أنّ يوماً ما، سأجدُ مركزاً صغيراً أعيدُ فيه صياغة وترتيب المشهدية التي عرفهُ فيها كل كتّاب لبنان والعالم العربي ممن عاصروه".