ليس أهم من الفرصة التي فتحتها مرحلة التحولات السريعة أمام لبنان سوى البناء على الفرصة بأيدي اللبنانيين. ولا أسس للبناء، مهما تكن الفرصة كبيرة ومطلوبة شعبياً وخارجياً، من دون الإصرار على أن يتحول اتفاق وقف النار إلى "حل مستدام". ومن الصعب، وسط الرهانات الكبيرة، تجاهل مؤشرات عدة توحي أن حرب لبنان التي توقفت لم تنتهِ بعد، سواء انتهت حرب غزة أو جرى استئنافها. لا بالنسبة إلى إسرائيل وخصوصاً نتنياهو وحكومته المسنودة بأحزاب "الصهيونية الدينية" المتطرفة جداً. ولا بالنسبة إلى "حزب الله" وبالتالي إيران.
نتنياهو الذي لم يوقف الاعتداءات على لبنان بعد الاتفاق، ينظر إلى الحرب فيراها حرباً ناقصة تحتاج إلى استكمال لتدمير كل الأسلحة والبنية التحتية العسكرية لـ "المقاومة الإسلامية"، ويراهن على مشاركة أميركا لإسرائيل في ضربة قوية لإيران ومنشآتها النووية بشكل خاص. و"حزب الله" يرى أن "حرب الإسناد" هي مجرد جولة في حرب طويلة ضد الكيان الصهيوني ومن أجل المشروع الإقليمي الإيراني. وهو يؤكد يومياً أن المقاومة باقية ومستمرة، وأنها استعادت قوتها بعد الضربات التي لحقت بها.
ولا أحد يعرف ما الذي يريد أن يفعله أو يمكن أن يفعله الرئيس دونالد ترامب في اللعبة الكبيرة مع إيران والحرب بين إسرائيل والفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. لكن العارفين يتذكرون أن المرشد الأعلى علي خامنئي اعتبر أن "حرب 2006" بين إسرائيل و"حزب الله" صاحب "النصر الإلهي" ساهمت في "الهندسة الجديدة للمنطقة". ومن المؤكد أنه يكرر أمام الحرس الثوري في مواجهة انحسار النفوذ الإيراني والخروج من سوريا تحذيره من "ضياع النظرة الواسعة والعابرة للحدود إلى جغرافيا المقاومة". وإذا كان وزير الخارجية الأميركي الجديد ماركو روبيو يأمل في حكومة لبنانية "أقوى من "حزب الله" الذي يضعف ويعجز عن أداء مهامه لصالح إيران"، فإن الجمهورية الإسلامية تحرص على أن يبقى "حزب الله" قوياً وعاملاً عبر "التكيف الشرعي" ومؤثراً في قرارات الحكومة. ومعركة "الثنائي الشيعي" منذ رئاسة العماد جوزاف عون وتكليف القاضي الدولي نواف سلام تأليف الحكومة هي معركة الحفاظ على الهيمنة داخل الحكومة وفي مؤسسات الدولة. كما أن معركة الأحزاب والتيارات الممثلة للأكثرية المسيحية والسنية والدرزية هي معركة إنهاء الهيمنة التي يمارسها "الثنائي الشيعي"، والرهان على إخراج لبنان من لعبة الحروب للتركيز على معالجة الأزمات.
وبكلام آخر، فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ في لبنان هو سبب يقوي إصرار "حزب الله" على التسلح بداعي المقاومة. والبنية التحتية العسكرية للمقاومة هي الفرصة التي يتمناها نتنياهو لاستكمال الحرب. والمعركة على السلطة هي التي تقرر انطلاق لبنان على طريق الحل المستدام نحو الازدهار أو تكبيل يديه ورجليه لمنعه من النهوض ومن الاعتراض على السلاح خارج الشرعية والتزام الصمت أمام ساعة الحرب حين تدق إقليمياً.
و"السياسة الخارجية ليست علم خرائط بل هي، ضمن الظروف، سباق جنوبي في أرض خطرة ومجنونة" حسب البروفسور دانيال درزنر. أما في لبنان فإن السياسة الداخلية مثل الخارجية سباق في منطقة خطرة.