د. جوسلين البستاني

احتمال توجيه ضربة للجمهورية الإسلامية وارد

ترامب ونتنياهو يتفقان على "الخطر الإيراني"

5 دقائق للقراءة

من الطبيعي أن تُشكّل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض الحدث الأهمّ على المستوى الدولي. ومن أبرز النقاط التي طُرحت خلال المؤتمر الصحافي المشترك الذي أعقب اجتماع ترامب ونتنياهو، توافقهما على الخطر الذي تُشكّله إيران، خصوصاً بعد محاولات طهران لاغتيالهما. وقد أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بترامب لانسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، ولمساهمته في التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، وتحرير بعض الرهائن الإسرائيليين، واستعادة سياسة "الضغوط القصوى" من خلال العقوبات على إيران.


بالطبع، لم تقتصر المحادثات على هذه القضايا فقط، بل شملت أيضاً الوضع المُستجدّ في سوريا، حيث يسعى ترامب إلى منح إسرائيل مقعداً على طاولة المفاوضات، ما يعني مشاركتها في مناقشات مستقبل السيادة في سوريا واعتراف النظام الجديد في دمشق بالحدود الإسرائيلية - السورية. كما تطرّقت المحادثات إلى الدور التركي، خصوصاً أن تركيا تُعدّ العرّاب الأساسي للنظام الجديد في سوريا.


تجدر الإشارة إلى أن تل أبيب نفت ما جاء في تقرير لـ "القناة 12" الإسرائيلية في شأن سعي نتنياهو إلى الحصول على دعم الرئيس الأميركي لتوجيه ضربة عسكرية للمواقع النووية الإيرانية والتطبيع مع السعودية، قبل التقدّم في المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة.


من جهة أخرى، ومع التأكيد أن ترامب يميل أكثر نحو إيجاد حلول سلمية، فهو لم يستبعد يوماً بشكل قاطع استخدام القوة العسكرية. وقد سبق وسُرّب عن برنامجه للسياسة الخارجية، استعداده لبذل جهود حثيثة لتأسيس رادع مشترك لكُلّ من المملكة العربية السعودية وإسرائيل ضدّ جمهورية إيران الإسلامية، وذلك عبر أوامر تنفيذية تُعيد تفعيل حملة "الضغوط القصوى".


كما يسعى ترامب إلى قطع الطريق أمام صادرات إيران ومنعها من تحصيل الأموال، الأمر الذي سيؤثر على قدرتها في الحصول على السلاح النووي. لكن لماذا يؤكّد كلّ من نتنياهو وترامب التزامهما بدحر العدوان الإيراني في المنطقة وضمان عدم تطوير إيران لسلاح نووي أبداً؟


الجواب ليس فقط بسبب ما ذكرته أخيراً صحيفة "نيويورك تايمز" عن قيام فريق سرّي من العلماء الإيرانيين باستكشاف طريقة أسرع لتطوير سلاح نووي في غضون أشهر، في حال قرّرت طهران المضي قدماً في ذلك. الأمر الذي أكّده منذ عدّة سنوات ديفيد أولبرايت، المفتش النووي السابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في كتابه الصادر عام 2021 "سعي إيران المحفوف بالمخاطر لامتلاك أسلحة نووية". وليس لأن الانتكاسات التي تعرّضت لها إيران وحلفاؤها الإقليميون خلال صراع دام 15 شهراً مع إسرائيل، حفّزت طهران على البحث عن وسائل أشدّ فتكاً لردع خصومها، بل لأن علاقات إيران مع الوكالة الذرية ومع المجتمع الدولي لطالما اتّسمت بالتضليل والخداع في ما يتعلّق ببرنامجها النووي.


بالفعل، بعدما أفادت الوكالة الذرية في كانون الأوّل بأن إيران ضاعفت وتيرة تخصيبها لليورانيوم إلى مستوى نقاء يصل إلى 60 في المئة في منشأة فوردو، وهو ما اعتبرته القوى الغربية تصعيداً خطراً في الخلاف حول برنامج إيران النووي، ظهر ارتباك داخل طهران في شأن الجهة التي ستقود أي مفاوضات نووية محتملة. ففي حين أكّد المستشار السياسي للمرشد الأعلى علي شمخاني، وإدارة الرئيس مسعود بيزشكيان علناً سيطرتهما على الملف النووي والمفاوضات المُحتملة مع واشنطن، صرّح شمخاني بأن إيران ملتزمة بالدفاع عن حقوقها القانونية في ما يتعلّق ببرنامجها النووي السلمي بكلّ الوسائل الممكنة.


وتعليقاً على تصريح شمخاني، يؤكد العديد من الخبراء أنه جاء على الأرجح بموافقة المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يسعى هو إلى تحديد إطار التفاوض وأهدافه، ما يعني أن النظام لديه شروط لن يتخلّى عنها. كما نفى شمخاني أي تراجع في قوة بلاده، قائلاً عن ترامب: "زعم ذلك الواهم أن إيران قد ضعُفت. سيكشف المستقبل من الذي تمّ إضعافه حقاً".


بناءً على ذلك، لن يرضى ترامب، في حال التوصّل إلى اتفاق في شأن البرنامج النووي الإيراني، بأن يكون محدوداً زمنياً أو أن يستثني السياسة الإقليمية لإيران، إضافة إلى برنامجها الصاروخي وذلك المُتعلّق بالطائرات المُسيّرة. في المقابل، من الصعب جدّاً أن تتبنّى إيران شروط ترامب، كما أنها أكّدت أن سياسة "الضغوط القصوى" ستتحّول إلى فشل آخر. أيضاً، من غير المُحتمل أن يقبل نتنياهو بأن تقترب طهران من عتبة امتلاك سلاح نووي.


بالتالي، وعلى الرغم من نفي ترامب، فإن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران ما زال وارداً، وقد تمّت مناقشته خلال اجتماعه مع نتنياهو، فضلاً عن أن أسطورة "القنبلة النووية ليس لها مكان في العقيدة الإيرانية" قد تمّ تجاوزها. وللتذكير فقط، في نيسان 1984، وبعدما وصلت الحرب بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعراق إلى طريق مسدود، أكدّ الرئيس الإيراني آنذاك علي خامنئي، أن المُرشد الأعلى الإمام الخميني "قرّر إعادة تنشيط البرنامج النووي". وقد شدّد خامنئي على أن هذا المسار هو "الطريقة الوحيدة لتأمين جوهر الثورة الإسلامية من مخطّطات أعدائها، ولا سيّما الولايات المتحدة وإسرائيل، وإعدادها لظهور الإمام المهدي".