عماد موسى

غامر وكتب ونشر ورحل

3 دقائق للقراءة
إنطفأت حياة رياض الريس في أحد مستشفيات بيروت عن عمر ناهز الثلاثة وثمانين عاماً، فغادر"مدينته" ليس كما عرفها، غادرها حزيناً وهو أحد المساهمين في حياتها الثقافية، في زمن ما بعد الحرب.

ذات يوم، أعتقد في بداية التسعينات، إلتقيت الدكتور نقولا زيادة، خارجاً من مكتب رياض الريّس في الصنايع، بالتزامن مع دخولي إليه، وقبل أن أسأله عن هذا الرجل الغزير الإنتاج أخبرني: أن زيادة حمل إليه ثلاث مخطوطات لنشرها، فأبلغه بأن سياسة الدار تقضي بنشر كتب المؤلف تباعاً إلا في حال كانت تعيد نشر المؤلفات كاملة، كما حصل مع مجاميع القاص زكريا تامر، فقال له الدكتور زيادة: "أنا مش مستعجل، يمكنك أن تنشر الكتب بمعدل كل سنتين أو ثلاث مؤلفاً، وكان زيادة ضامناً لأول مائة عام".

سألته عن سنّ زيادة قال: "تخطى التسعين". وللمفارقة فقد توفي زيادة قبل ستة أشهر من بلوغه المائة عام. يومها تكلمنا عن العمر وشغف الكتابة وكنا نرى في بيروت عالماً مفتوحاً على تجارب متجددة.






جاء رياض نجيب الريس إلى "النشر" من "الصِحافة"، وجاء إلى الصحافة وريثاً لأبيه صاحب "القبس" السورية، ومغامراً يشبه نفسه.

عمل في بداياته المهنية مع كامل مروة مؤسّس جريدة "الحياة"، فكان مراسلاً صحافياً في فيتنام عام 1966، وفي بلدان الحروب والخطر واليمن تجربة تُروى. بعد الحياة انتقل إلى "النهار" وفي العام 1977، أصدر جريدة "المنار"، وكانت أول جريدة عربية تصدر في أوروبا، ليعود ويصدر "الناقد" في بيروت التي ساهمت في رسم فضاء ثقافي عربي، أعاد إحياء الصلات بين المثقفين العرب وجدّد السجالات الأدبية والفكرية، ثم أصدر "النقّاد" وكانت أقل شأناً من أختها المحتجبة.

جاء إلى بيروت، مرات من دمشق، ومرات من الغربة، وآخر مرة من لندن حيث هجّرته حرب لبنان في العام 1977 صحافياً، ليعود في العام 1989، صاحب "شركة رياض الريّس للكتب والنشر" التي أسسها في العام 1986 في العاصمة البريطانية. عاد ليبث حيوية في عالم النشر. عاد ليكتشف كتّاباً. عاد لينشر الممنوع و"المعرّض" للمداهمة والمصادرة في "المعارض" مثل "تحفة العروس" و"الروض العاطر" و"نزهة الألباب".

نشر شعراً وروايات وأبحاثاً تاريخية وحتى ترجمات لروايات بوليسية. نشر لمحمود درويش، وزكريا تامر، ولأنسي الحاج، ولشباب كانوا مغمورين كربيع جابر ويحيى جابر وغيرهما.

لم يغب يوماً عن معرض الكتاب العربي في بيروت، ودائماً يختار فيه جناحاً رحباً قرب المدخل الرئيس، يحوّله منتدى هو نجمه والمضيف ومالئ فضائه بدخان سيجاره وحيويته. وله في كل معرض عربي جناح. لكن بيروت بالنسبة إليه عالم آخر يتسع لكل السجالات والمغامرات والأحلام والمشاريع غير المكتملة.










بيروت مدينته، إن لم تكن الأولى فهي الأخيرة. وفي حديث لجبور دويهي، أو دردشة مع سمير قصير، قال له: "إن رياض احسن ما جاءنا من سوريا منذ ايام الموارنة "مستعيراً التشبيه الذي أطلق على المغنية الفرنسية سيلفي فارتان في خلال جولة أميركية إذ قيل فيها: "إنها أفضل هدية فرنسية للولايات المتحدة منذ تمثال الحرية".

عن داره نشر رياض الريس "الخليج العربي ورياح التغيير"، "رياح الجنوب"، "ريَاح الشرق"، "صحافي ومدينتان"، "قبل أن تبهت الألوان صحافة ثلث قرن"، "مصاحف وسيوف"، "رياح الشمال"، "صراع الواحات والنفط: هموم الخليج العربي"، "الفترة الحرجة"، "أرض التنين الصغير: رحلة إلى فيتنام"، و"موت الآخرين"...كان نهماً في كل شيء. القراءة. التأليف. النشر وفي أمور أخرى.

أمس مات "آخر الخوارج"، وهو من أدمن الكشف عن "الوجه الآخر للتاريخ". مات صحافي تعاطى النشر والحرية.