تنظر الولايات المتحدة الأميركية إلى ما يجري في الشرق الأوسط، وتحديداً في سوريا، التي شهدت سقوط نظام الأسد بعد أكثر من خمسة عقود في الحكم، بكثير من الحذر والمراقبة والتأني في إصدار أي موقف، سواء إيجابي أم سلبي، حيال السلطة الجديدة.
وساهمت أحداث 7 تشرين الأوّل 2023 في إضفاء جوّ من البرودة الأميركية وعدم التسرّع لإصدار مواقف، سواء ترحيبية أم شاجبة، وكانت النظرة الأوّلية لمَن أسقط الأسد وتولّى حكم دمشق، بأنها جبهة أو جماعة موضوعة على لوائح الإرهاب، وزعيمها يتنقل وعلى رأسه مكافأة تبلغ 10 ملايين دولار لمَن يساهم في التبليغ عن موقعه أو مكان تواجده، قبل أن تقوم واشنطن بإلغاء المكافأة بعد زيارة وفد أميركي لسوريا ما بعد الأسد.
كما أن التجربة الأميركية مع الحركات الإسلامية التي تسيّدت مشهد الحكم في بعض الدول، لم تكن موفقة، فإدارة ترامب الأولى أدرجت جماعة الحوثي على لوائح الإرهاب، ثمّ أتت إدارة بايدن لترفعها من اللائحة، قبل أن تدرك متأخرة مدى عدم صوابية القرار بالنسبة إلى واشنطن، بعد انخراط الجماعة في أعمال قرصنة السفن واستهدافها في البحر الأحمر.
وإلى جانب كون "هيئة تحرير الشام" مصنّفة إرهابية، فإن التريّث الأميركي في الانفتاح على دمشق يتعلّق بظروف وأحداث تاريخية، فسوريا منذ انقلاب "البعث" لم ينظر إليها على أنها قريبة من الأميركيين أو على وئام معهم، باستثناء تشابه الموقف حيال الفترة التي شهدت غزو العراق للكويت، ولطالما كانت الفكرة حول النظام السوري تدور حول اتهامه بإثارة القلاقل في الدول المجاورة.
وتضع واشنطن عدّة شروط لفتح باب العلاقات السياسية والدبلوماسية مع السلطة السورية الجديدة ورفع العقوبات بشكل كامل، أوّلها عدم العبث بأمن الدول المجاورة. وتأتي إسرائيل في مقدّم هذه الدول التي تريد الولايات المتحدة منع تسرّب الجهاديين إلى حدودها، أفراداً في البداية ثمّ على شكل جماعات، لأن ذلك يعزّز مخاطر تعرّض الدولة العبرية لهجمات مشابهة لأحداث 7 تشرين الأوّل.
ويتناول الشرط الثاني ملف الأقليات وضرورة الحفاظ عليها وعدم تعرّضها لما تعرّض له الإيزيديون في العراق على يد تنظيم "داعش". وبقدر سهولة الحصول على تعهّد من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بالحفاظ على كلّ المكونات السورية وإشراكها في الدولة الجديدة، فإن الصعوبة تبدأ مع اختلاف النظرة إلى شكل سوريا الجديد بين سلطة دمشق والأقليات، وارتباط هذا الملف في بعض نقاطه بتأثيرات إقليمية.
في الشقّ المتعلّق بالحدود مع إسرائيل، أعلن الشرع مراراً التزامه باتفاق 1974، لكن تل أبيب تتعاطى مع دمشق على أنها امتداد لحكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وجدير بالذكر أن إسرائيل لم تنظر بريبة إلى التقارب السوري - التركي، الذي كان سائداً بين عامي 2005 و2010، غير أن النظرة إلى الشرع ورفاقه من منظار خلفيّتهم الأيديولوجية، والحساسية التي يُثيرها أردوغان بالنسبة إلى الإسرائيليين، تبعث على الاعتقاد بأن التطمينات بالالتزام بالاتفاقات التي رعتها الأمم المتحدة، غير كافية.
أمّا في ما يتعلّق بالأقليات، فليس هناك شكّ في أن سوريا تشهد انقساماً حيال النظرة إلى النظام المزمع تشكيله، فمع انطلاقة الثورة السورية كان هناك شارعان، واحد يؤيّد النظام وآخر يريد إسقاطه. أمّا اليوم، فالوضع مختلف تماماً، وقد شهدت أربع مناطق سورية الأسبوع الماضي أربع تظاهرات بعناوين مختلفة، واحدة في السويداء طالبت بدولة مدنية لامركزية، وثانية في دمشق طالبت بضرورة فرض السيطرة على شمال شرق سوريا، وثالثة في الشمال الشرقي طالبت بإقامة إدارة ذاتية، ورابعة في إدلب طالبت بتحكيم الشريعة. ومن بين كلّ هذه العناوين، أعلن الشرع صراحة تأييده النظام المركزي، بحكم نظرة عدد كبير من السوريين إلى الموضوع الفدرالي أو اللامركزي على أنه مشروع تقسيم.
وإذا كانت إسرائيل منزعجة في الجنوب، فإن أنقرة عرّابة النظام الجديد تنظر بقلق إلى حركة الكرد في الشمال الشرقي، وتريد من دمشق التحرّك بسرعة لوأد أي مشروع كردي. في المقابل، توازن دمشق بين احتضان تركيا لها، وردّة الفعل الأميركية التي قد تحصل إذا ما قرّرت مهاجمة الكرد عسكرياً، فـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) حليفة واشنطن، وساعدت في القضاء على "داعش"، ولم تصدر بعد أي إشارة أميركية واضحة بخصوص التواجد العسكري في هذه المنطقة. وبالتالي، فإن إغضاب الأميركيين لإرضاء الأتراك في هذه الفترة، سيكون مغامرة كبيرة، ولذلك سيُحاول الشرع كسب الوقت إلى أقصى حدّ يمكن معه معرفة التوجّهات والخطط الأميركية بخصوص "قسد".