أنطونيو رزق

"ثورة مضادة" تنفخ الروح بـ "الحلم الأميركي"

ترامب يقلب الطاولة في "الحرب الثقافية"

5 دقائق للقراءة
وقف ترامب إلى الجانب الصحيح من "الحرب الثقافية" (رويترز)

تدخل الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب أسبوعها الرابع الإثنين. خلال هذه المدّة القصيرة، وفى ترامب بالكثير من الوعود التي تعهّد بتنفيذها للشعب الأميركي خلال حملته الانتخابية الحافلة، وكان أبرزها تلك المتعلّقة بالمسائل الثقافية، التي أدّى الموقف منها دوراً محورياً في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وقف ترامب إلى الجانب الصحيح من "الحرب الثقافية"، فقد لمس نفور غالبية الأميركيين من "الثورة الثقافية" اليسارية التي أدّت إلى تغلغل أيديولوجية "نيو ماركسية" مدمّرة إلى مؤسّساتهم الحكومية والتعليمية والتجارية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، قسّمت الأميركيين بين "فئات طاغية" و "فئات مهمّشة"، الأمر الذي ترجم بسياسات عنصرية وفئوية تميّز على أساس العرق والدين والجنس والتوجّه الجنسي، ضاربة عرض الحائط بقدسية معيار الكفاءة الذي لطالما جعل أميركا "أرض الفرص". قلب ترامب الطاولة منذ يومه الأوّل في المكتب البيضوي بشنّه "ثورة ثقافية مضادة" بهدف نفخ الروح بـ "الحلم الأميركي" وجعل أميركا "استثنائية" من جديد.


وقّع ترامب في اليوم الأوّل من عهده أمراً تنفيذياً قضى بإنهاء برامج "التعددية، المساواة، الاندماج" على المستوى الفدرالي، وأوقف الموظفين في الأقسام المعنيّة بتلك البرامج عن العمل تمهيداً لفصلهم نهائياً. كما وضع حدّاً للقروض والمنح الخارجية التي كانت تدعم برامج من هذا النوع. نشأت فكرة "التعددية، المساواة، الاندماج" من رحم النظريات الـ "نيو ماركسية" الهويتية، التي تعتبر أن تفوّق أعضاء فئة مجتمعية معيّنة بشكل عام، سواء كانت تلك الفئة مجموعة عرقية أم أحد الجنسين أم أصحاب توجّه جنسي معيّن، على أخرى، من حيث الوضع الاقتصادي أو مستوى التعليم أو إحصائيات الجرائم أو غيرها من معايير النجاح، سببه أن الفئة الأنجح "استغلّت النظام"، الذي أُنشِئ أساساً بهدف المحافظة على تفوّقها، على حساب "الفئة المهمّشة".


من هذا المنطلق، يجب على الفئة الأنجح، أي "الفئة الطاغية"، أن تضحّي بنفسها من أجل التعويض لـ "الفئة المهمّشة"، المظلومة دائماً. تبعاً لذلك، اعتمدت "سياسة التعددية" كمعيار في اختيار الموظّفين الحكوميين والطلاب الجامعيين والموظّفين في القطاع الخاص، بحيث تعطى الأولوية لاختيار أفراد من الفئات المصنّفة "مهمّشة"، كالنساء والأشخاص من أصول أفريقية ولاتينية ومثليي الجنس والمتحوّلين جنسياً وغيرهم، بغض النظر عن كفاءتهم. نتج عن هذه السياسة تمييز عنصري صريح ووقح، خصوصاً ضدّ الرجال البيض في كلّ المجالات وضدّ الآسيويين في الجامعات.


على سبيل المثال لا الحصر، كشفت دراسة قدّمتها منظمة "طلاب من أجل آلية قبول عادلة" في دعوى قضائية ضدّ جامعة "هارفرد"، أن طالب الانتساب الأميركي من أصول آسيوية لـ "هارفرد" الذي لديه فرصة قبول بنسبة 25 في المئة، لو كان من البيض لكانت فرصة قبوله 35 في المئة، ولو كان من أصول لاتينية لكانت فرصة قبوله 75 في المئة، ولو كان من أصول أفريقية لكانت فرصة قبوله 95 في المئة. وصلت قضية المنظمة إلى المحكمة العليا التي حكمت ضدّ "هارفرد" وقضت بأن سياسات التمييز في آلية اختيار الجامعات للطلّاب تشكّل خرقاً للتعديل الرابع عشر من الدستور الأميركي.

أدّت "الثورة الثقافية المضادة" التي يشنّها ترامب بشراسة، بالإضافة إلى القضاء على "برامج التعدّدية" على المستوى الفدرالي، إلى تراجع الكثير من عمالقة القطاع الخاص عن "سياسة التعددية" التي اعتمدتها الشركات الخاصة بكثافة بعد أعمال الشغب التي تلت وفاة الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد أثناء اعتقاله من قِبل شرطي أبيض عام 2020. بالفعل، أعلنت شركة "غوغل" الأربعاء تخلّيها عن هدف تكثيف توظيف أعضاء من "الفئات المهمّشة تاريخياً"، فضلاً عن إجرائها تقييماً لبعض "برامج التعددية" لديها، بينما كانت شركة "ميتا" بقيادة مارك زوكربيرغ قد طردت الشهر الماضي الفريق المعنيّ بـ "التعدّدية" وتخلّت عن أهدافها المتعلّقة بتوظيف عدد أكبر من "الفئات المهمّشة".


بذلك، يعود معيار الكفاءة سريعاً ليكون المدماك الأساسي لقرار اختيار الأشخاص لوظيفة معيّنة في القطاعين العام والخاص، كما بدأت بعض الجامعات بتعديل آليات القبول لديها لتعود مبنية على الكفاءة، الأمر الذي لطالما شكّل جوهر "الحلم الأميركي" وجعل من أميركا "استثنائية" و "أرض الفرص"، حيث يستطيع أي شخص، مهما كانت خصائصه البيولوجية أو توجّهه الجنسي أو إيمانه الديني، أن يرتقي اجتماعياً واقتصادياً، بقدر ما يتمتع بكفاءة وإرادة على العمل الدؤوب. هذا تحديداً ما استشهد من أجله رمز حركة الحقوق المدنية القس مارتن لوثر كينغ الابن، الذي لطالما شكّل "أيقونة" لليسار الأميركي، لكن الأخير سمح لـ "النيو ماركسيين" بتشويه رسالته، إذ حلم كينغ الابن بأن يعيش أطفاله "يوماً ما في أمة، لن يُحكم عليهم فيها بناء على لون بشرتهم، بل بناء على محتوى شخصيّتهم".