ريتا عازار

بين العشق والأدب

الحب يُزهر رومانسية في فيرونا

6 دقائق للقراءة

الحب في فيرونا له طعم الشوكولاتة الفاخرة، حلاوة عذبة ذائبة على ثغر عاشقة أو في فم عاشق، لا مكان فيها لصدّ، لغدر، لخيانة أو لملل. في فيرونا الرومانسية خالصة، تلك المدينة الإيطالية الواقعة بين ميلانو والبندقية، لا تثير في الأذهان صورة الحب فقط بل الأدب أيضاً. 

تُعرف عالمياً بأنها مدينة "روميو وجولييت"، وتجسّد الشغف والمأساة العاطفية منذ قرون. ولكن، بعيداً من أسطورة شكسبير، فإنّ فيرونا مدينة غنيّة بالتاريخ والثقافة والتقاليد الأدبية. جَوُّها الرومانسي، وأزقتها المرصوفة بالحصى، وشرفاتها القديمة، وساحاتها التاريخية، تجعلها مكاناً يلتقي فيه الحب والأدب ويتغذيان من بعضهما البعض، كما أنها تحتفي بالحب والأدب سنوياً من خلال مهرجانات مميزة تجذب العشّاق ومحبّي الأدب من أنحاء العالم.


 فيرونا وشكسبير

من المستحيل ذكر فيرونا من دون التفكير فوراً بوليَم شكسبير. ربما لم يزر الكاتب الإنكليزي هذه المدينة أبداً، لكنه خلّدها عندما اختارها مسرحاً لإحدى أشهر مسرحياته، "روميو وجولييت".


في هذه المسرحية، يصوّر شكسبير فيرونا كمدينة ممزّقة بالصراعات بين عائلتين متناحرتين، مونتاغيو وكابوليت. ويصف مدينة يولد فيها الحب في الخفاء، وتؤدي النزاعات إلى المأساة، ويتحدّى الشغف القوانين والأعراف. لكن، هل هذه الصورة عن فيرونا حقيقية؟ في الواقع، استلهم شكسبير قصّته من أساطير وروايات إيطالية سابقة، فجذور قصة "روميو وجولييت" تعود إلى قصص من القرن السادس عشر، بخاصة تلك التي كتبها لويجي دا بورتو وماتيو بانديلو. ومع ذلك، وبفضل عبقرية شكسبير، أصبحت القصة عالمية وأثّرت بشكل دائم على هوية فيرونا.


شرفة جولييت

يُعتبر منزل جولييت (Casa di Giulietta) من أكثر المواقع شهرة في فيرونا. يقع في شارع "فيّا كابيلو"، ويجذب سنوياً ملايين الزوار الذين يأتون لرؤية شرفته الشهيرة. علماً أنّ هذه الشرفة بُنيت في القرن العشرين لإرضاء الخيال الرومانسي للسياح. ومع ذلك، بصرف النظر عن تاريخها الفعلي، أصبحت رمزاً للحب والشغف. يترك آلاف الأشخاص رسائل حب على جدران المنزل، كما يُعتقد أنّ لمس صدر تمثال جولييت في الفناء يجلب الحظ للمحبين.


كما نشأت في فيرونا عادة جميلة، وهي كتابة رسائل إلى جولييت. يكتب العشّاق من أنحاء العالم إلى البطلة الشكسبيرية، يشاركونها آمالهم وقلوبهم المكسورة. تُجمع هذه الرسائل بعناية ويُردُّ عليها من قبل مجموعة من المتطوعين تُعرف باسم "نادي جولييت". هذه المبادرة، التي استمرت لعقود، دليل على أنّ قصّة روميو وجولييت لا تزال حية، ليس فقط في الكتب، بل أيضاً في قلوب العشّاق.


من شكسبير إلى دانتي

لدانتي أليغييري، الشاعر الإيطالي العظيم مؤلّف "الكوميديا الإلهية" قصّة كبيرة مع فيرونا، إذ لجأ إليها بعد نفيه من فلورنسا، وقد استضافته عائلة سكاليجيري الحاكمة آنذاك.


في الجنّة، أحد أجزاء "الكوميديا الإلهية"، يذكر دانتي فيرونا ويمدح كانغراند ديلا سكالا، راعيه. واليوم، يقف تمثال ضخم للشاعر في "ساحة دي سينيوري"، يذكّر بالعلاقة الوثيقة بين فيرونا والأدب الإيطالي.


وقد استلهم العديد من الكتّاب المعاصرين من أجواء فيرونا الرومانسية، حيث كُتبت روايات ومسرحيات وأفلام كثيرة تدور أحداثها في هذه المدينة. من بين الأعمال الحديثة المستوحاة من فيرونا، يمكن ذكر، على سبيل المثال لا الحصر، رواية "رسائل إلى جولييت" للشقيقتين سيل وليز فريدمان، والتي تحوّلت إلى فيلم يحمل الاسم نفسه، ويروي قصّة تقليد الرسائل الموجّهة لجولييت ويحتفي بسحر فيرونا.


فيرونا ليست فقط مدينة الحب، بل أيضاً مدينة القصص. يجد فيها الكتّاب من جميع أنحاء العالم بيئة مثالية لرواياتهم، سواء كانت رومانسية، تاريخية أو مأسوية.


مهرجانات حب وأدب

لا تكتفي فيرونا بأن تكون فقط مدينة الحب في الخيال، بل تحتفل به على مدار السنة: مهرجان "عيد الحب" في فيرونا في شباط تُزيّن خلاله المدينة بزخارف رومانسية وتقام فعاليات خاصة جداً، ومهرجان "الكتابة من أجل الحب" في الخريف، يمنح جائزة سنوية لرواية تدور حول الحب.


في كل عام، في شباط، وتحديداً في أسبوع القديس فالنتينو، تتحوّل فيرونا إلى عالم خيالي يحتفل بالحب بكل أشكاله. خلال هذه الأيام، تصبح المدينة بأكملها مسرحاً رومانسياً رائعاً، تُضاء الشوارع والساحات بديكورات على شكل قلوب. يُقام "سوق الحب الكبير"، على شكل قلب عملاق، في "ساحة دي سينيوري"، حيث تُعرض الهدايا اليدوية والتذكارات الرومانسية والحلويات اللذيذة، تُقام الحفلات الموسيقية والعروض المسرحية في الهواء الطلق، وتُنظّم قراءات شعرية وعروض أفلام رومانسية في أماكن مميّزة في المدينة.


لكن أكثر اللحظات المنتظرة تظل قبلة الحب الجماعية في "ساحة دي سينيوري"، حيث يتبادل مئات العشاق القُبَل تحت وابل من قصاصات الورق على شكل قلوب.


أماكن رومانسية

يوفّر مهرجان "فيرونا مُغرمة" تجارب لا تُنسى للعشاق، يُزيَّن منزل جولييت خصيصاً للمناسبة، حيث يمكن للأحبّة تجديد عهود الحب فيه، كما تقام مسارات سياحية تقود العشاق عبر أجمل الأماكن في المدينة، من "جسر بيترا" إلى "قلعة سان بيترو"، وتقدّم المطاعم وجبات عشاء على ضوء الشموع مع قوائم طعام خاصة بعيد الحب. ويختار بعض الأحبّة الزواج في فيرونا خلال هذا المهرجان، يتزوّجون حتى على شرفة جولييت الشهيرة، علّ عدوى الإخلاص تنتقل إلى حياتهم الخاصة.


الكتابة من أجل الحب

تٌكرِّم فيرونا الحب في شباط أما الأدب الرومانسي فتُكرِّمه في تشرين الأول في مهرجان "الكتابة من أجل الحب" (Scrivere per Amore)، كما يُكرَّم الكُتاب الذين يستكشفون الحب بأبعاده في أعمالهم الأدبية.


وقد أسّست هذا المهرجان في العام 2006، "جمعية الدائرة الأدبية"، وهو ملتقى ثقافي يهدف إلى تكريم الروايات التي تتناول موضوع الحب، سواء كان حبّاً عاطفياً، أو مأسوياً، أو فلسفياً. يتمّ اختيار عدد من الروايات سنوياً للتنافس على جائزة المهرجان، حيث تقوم لجنة تحكيم من الكتّاب والنقّاد الأدبيّين بمنح الجائزة لأفضل عمل أدبي يتناول الحب بطريقة مميّزة.


لا يقتصر المهرجان على منح الجائزة فقط، بل يشمل أيضاً لقاءات مع الكتّاب، ندوات وحلقات نقاش، قراءات أدبية عامة، حيث تُقرأ مقتطفات من الروايات الفائزة في أماكن ذات طابع رومانسي داخل المدينة. يجذب هذا المهرجان ليس فقط الروائيين، بل أيضاً الشعراء وكُتّاب السيناريو والمسرحيين الذين يشاركون رؤيتهم للحب من خلال الكلمة المكتوبة.


بركان العشاق

فيرونا رمز للحب، وملهمة للأدب. من شكسبير إلى دانتي، مروراً بالكتّاب المعاصرين، ألهمت هذه المدينة أجيالاً من المؤلّفين ولا تزال إلى اليوم.

سواء قصد العشاق فيرونا للسير على خطى "روميو وجولييت"، أو للاستمتاع بأجوائها الرومانسية، أو لاكتشاف تراثها الأدبي، فإنّ هناك أمراً واحداً مؤكداً، أنهم سيغادرونها مسحورين بالحب والشعر والقبلات الرومانسية التي تنافس تنهدات جسر البندقية، فموت جولييت أزهر في المدينة عشقاً أشبه ببركان يصيب عشاق الأرض كلّها خصوصاً في عيد القديس فالنتينو.