على وقع تصريح موفدة الرئيس الاميركي دونالد ترامب السيدة مورغان أورتاغوس تشكّلت حكومة العهد الاولى « التي تعبّر عن سياسة وتوجهات جديدة»، كما قال رئيسها القاضي نواف سلام. غير أن تعاطي "حزب الله" مع تصريح السيدة أورتاغوس يستحق التفكّر والتحليل.
في الحقيقة، جاء تصريح الموفدة الاميركية من القصر الجمهوري صاعقاً فيما يتصل بمستقبل لبنان وبتشكيل الحكومة وبـ"حزب الله" ومستقبله. فأكّدت ثقتها بقدرة الحكومة المزمع تأليفها «ضمان بدء القضاء على الفساد، وإنهاء نفوذ "حزب الله"، والشروع في الإصلاحات». وقالت كذلك «وضعنا في الولايات المتحدة خطوطا حمراء واضحة، تمنع "حزب الله" من ترهيب الشعب اللبناني، بما في ذلك عبر مشاركتهم في الحكومة المقبلة». وأضافت «لقد بدأت نهاية عهد "حزب الله" في الترهيب في لبنان وحول العالم. لقد انتهى».
لا أحد استساغ، ولا يمكن لأيٍ كان أن يستسيغ، كلام موفدة الرئيس ترامب الى لبنان، وبخاصة في ما يتّصل بـ «شكر اسرائيل» من على منبر رئاسة الجمهورية اللبنانية على فعلتها وتهنئتها بـ «هزيمة "حزب الله"»، وبوضع شروط على تشكيل الحكومة اللبنانية، ولا أحد يقبل كذلك بالاذعان للتدخل في الشوؤن الداخلية اللبنانية لكائن من كان؛ فهذه وصاية «ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.»
غير أن هذا التصريح وما تبعه من ردود فعل وبخاصة تلك المتصلة بـ"حزب الله" أعادت فتح موضوع الوصاية على لبنان وما ينتج عن ذلك. فالتدخل الخارجي المُدان في الشؤون اللبنانية يستدرجه اللبنانيون أنفسهم، ولا أحد سواهم. في الواقع، إنّ ما أنتجه اتفاق وقف إطلاق النار، الذي وُقّع في 27 تشرين الثاني المنصرم، هو وصاية دولية إقليمية موصوفة على لبنان، سياسية وعسكرية، وعلى "حزب الله" تحديداً، «المنتصر حكماً في هذه الحرب» وفق ما يدّعيه.
وتتجسد هذه الوصاية العسكرية بـ«تنصيب» حاكم عسكري أميريكي على لبنان، هو الجنرال جاسبر جيفرز، رئيس اللجنة الخماسية لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان واسرائيل، والتي تتألف من الولايات المتحدة الاميريكية، فرنسا، لبنان، اسرائيل وقوات اليونيفل.
أما الوصاية السياسية، فهي للجنة الخماسية، والتي تترأسها على ما يبدو السيدة أورتاغوس، هذه اللجنة المؤلفة من الولايات المتحدة الاميركية، فرنسا، المملكة العربية السعودية، جمهورية مصر العربية ودولة قطر.
وجاء رد "حزب الله"، على ما قالته السيدة أورتاغوس، على لسان السيد محمد رعد، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، راعداً ورافضاً للوصاية المستجدّة. غير أن اعتراض الحزب يستحق المكاشفة والتفكّر والمساءلة. فبعد توقعيكم على الاتفاق المشؤوم، والذي تخرقه اسرائيل بشكل فاضح ويعجز "حزب الله" عن الرد عليها، من يكون قد أوصل البلاد الى هذه الوصاية المستجدّة؟ فهل يحق للذي وقّع على اتفاق وقف إطلاق النار تحت النار، إتفاق الاذعان، الاعتراض على ما قالته السيدة أورتاغوس فيما يتصل بتشكيل الحكومة؟ أيهما أفظع قبول ما قالته السيدة أورتاغوس في شأن تشكيل الحكومة، وهو مرفوض، أم القبول بما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار؟ من هو الذي أعطى السيدة أورتاغوس الحق «بالتدخل السافر في السيادة اللبنانية»؟. فمن وقّع هذا الاتفاق هو انتم، ولا أحد سواكم، وتالياً لا تستطيعون الاعتراض والاستعراض على ما قالته السيدة أورتاغوس، وكأننا منتصرون في الحرب ولنا الحق في فرض شروطنا على الآخرين.
بدأتم حرباً من دون مراجعة أحد ودفعتم، ودفّعتم اللبنانيين بأجمعهم، نتائجها، وأدت، في ما أدت، الى سقوط أكثر من 4000 شهيد وما يزيد عن الـ15000 جريح، والى خراب هائل في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، في الأبنية السكنية والمؤسسات التجارية والاقتصاد اللبناني.
فبعد أن استجلبتم وصاية اقليمية دولية، ذي أرجحية ايرانية، حين كان « الهواء في كمّكم » وأطبقتم على البلاد بعد العام 2008، إستجلبتم بفعلتكم وصاية آخرى، ذي أرجحية أميركية غربية، بعد أن «إستدعيتم» اسرائيل فاحتلت جزءاً من أراضي الجنوب. وتالياً لم ينتج "حزب الله" في لبنان إلاّ مآزق سيادية موصوفة على مدى أربعة عقود.
والشنيع في الحالتين، وفي الحالات كلها، أن مستدرجي الخارج، أي خارج، الى الداخل اللبناني، هم من أرادوا، عن سابق تصوّر وتصميم، حشر أنوفهم في الصراع العربي الاسرائيلي والقضية الفلسطينية، وما استتبع ذلك من تبعات دفع لبنان ثمنها ولا يزال منذ 76 عاماً.
والمأزق السيادي الحالي، والناتج عن تعنت دام عقوداً، لا يعطي الرئيس عون ومعه الرئيس المكلّف القدرة على استدراك ما استجلبته حرب الاسناد على كل اللبنايين وما ترتب عنها، دفعة واحدة. لا نستطيع أن نشتكي، وبخاصة "حزب الله"، إذا كنا لا نمتلك «ثمن سياساتنا» . هذه هي الحقيقة المرّة. فإذا كان المطلوب أن «نقاوم الهجمة الاميركية الامبريالية»، فبماذا نقاومها؟ بالدمار الذي خلفته حرب الاسناد المحمودة؟ بماذا نقاوم، بآلاف العائلات المشردة والتي لا مأوى لها؟ بماذا نقاوم، باقتصاد منهار نتيجة لسياسات من تحكّموا برقاب البلاد والعباد على مدى عقود تحت عناوين «العزّة الوطنية» والاوهام الايديولوجية التي أوصلتنا الى ما وصلنا اليه؟ بماذا نقاوم يا سادة؟ ليعطينا «المنتفضون لكرامتهم الوطنية» وسائل المقاومة المنشودة، وليبيّنوا لنا القدرات التي نمتلك لنفعل ذلك، وإلا ليتفضّلوا وليفوّضوا الرئيسين والحكومة، والقوى القادرة على التجاوب مع مطالب من بيدهم سلطة الحل والربط، بإعادة بناء الدولة، التي أسهم الثنائي المعروف وكل من حالفهما، بهدمها بشكل أساسي عن سابق تصوّر وتصميم؛ علّ الرئيس عون ومعه الرئيس سلام والحكومة الموعودة يعيدون الامل بقيام الدولة وبإعادة بنائها.
أما القناعة التي تتكرس نتيجة لكل ذلك فهي من دون أدنى شك أنّ اللبنانيين أصغر من لعبة الامم، ولبنان لا يحتمل، في طبيعته الكيانية ومحيطه الجغرافي ودعوته ورسالته، إلا الحياد، الحياد الذي دعا اليه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، والذي تبنّاه الرئيس جوزف عون في خطاب القسم. والحياد هو السبيل الاكيد والوحيد لضمان تحاشي الوصايات على أنواعها.