ستفتقد القيادات اللبنانية لنحو شهر ونصف الشهر الى صوت الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عبر الهاتف، كما ستتحسّر على تعليق زيارته الثالثة التي كانت متوقعة في غضون الشهرين المقبلين، وربما ستصاب بالوحشة كون "نعيم" الاهتمام الدولي والاقليمي والعربي الذي تم التعبير عنه بفك الحصار عن لبنان الرسمي بعد جريمة انفجار مرفأ بيروت سيتبخّر.
كعادتها، لم تلتقط القيادات اللبنانية الفرصة الماسية التي توفّرت للبنان على انقاض العاصمة بيروت، لكي تتحلل لمرة نهائية من الامعان في ممارسة عادة العداء للشعب والوطن، لا بل أوغلت في انانيتها وشخصانيتها، وأثبتت بما لا يقبل مجالاً للشك ان من "شبّ على خلق شاب عليه" والاحتمال الضئيل جداً بالتغيير في ظل السلطة القائمة رهان على سراب.
وعلى الرغم من "تقريع" الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رئيس الدولة ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن الدولي والتي تمارس دور القيادة اوروبياً والذي تحدّث باسم المجتمع الدولي، معمماً صفة "الخيانة على الجميع"، فان ردّ فعل السلطة السياسية ونار الاتهامات المباشرة لها كانا "برداً وسلاماً عليها"، لا بل شعرت بالتحرر من الضغط الذي يمارس عليها والذي كان يلزمها بـ "اختراع الحجج والذرائع وحتى الاكاذيب كلما شعرت انها محشورة في الزاوية الفرنسية، ونجحت في إدخال المبادرة الفرنسية في شقها الحكومي الى دهاليز مغارة المحميات الطائفية والمذهبية، الى درجة انهكت ماكرون وجعلته يكفر بهذه السلطة سريعاً، مستشعراً مدى عظمة الشعب اللبناني الصابر على هذه الطبقة السياسية منذ ثلاثين عاماً" على حد وصف مرجع سياسي لبناني.
ويقول المرجع القريب من بعبدا ان "الطبقة السياسية التي لم تهتز لوجع اللبنانيين المطوقين بضائقة اقتصادية ومالية ومعيشية وغير القادرين على تأمين ابسط المقومات لابنائهم لا سيما في التعليم والطبابة، فانها لم يرف لها جفن لكل الاهانات المباشرة التي وجهها اليها ماكرون، وهي عادت للتعاطي وفق قاعدة ان لا شيء مستعجل وكأنها تمتلك ترف الوقت، من خلال الحديث عن مرحلة من التفكير والتقييم لكل ما حصل بعد اعتذار مصطفى اديب عن تأليف الحكومة، وان هذا التقييم يحتاج الى ايام وربما الى اسابيع، والادهى انها وجدت في مهلة الستة اسابيع التي تحدث عنها ماكرون لترك القيادات اللبنانية وشأنها في عملية ايجاد حل للملف الحكومي، مهلة مفتوحة ويمكن استنزافها حتى اللحظات الاخيرة". ويضيف ان "ما سمعه من قيادات رسمية لا يبشّر بالخير، فهي تتحدث عن محاولة استكشاف الخطوة التالية بعد اعتذار اديب، وكأنه لا دستور يحكم ويحدد المسار الذي يفترض ان ينتهج سريعاً، خصوصاً وان مواقف كل القوى السياسية صارت معروفة للداخل وللخارج، وبالتالي عدم الدعوة سريعاً الى استشارات نيابية ملزمة لتكليف رئيس جديد تأليف الحكومة، يضمر نية بالذهاب الى سيناريو شبيه باتفاق الدوحة لجهة الاتفاق في طاولة حوار تعقد في الداخل او الخارج على تسوية مرحلية تنتج تأليف حكومة جديدة، في محاولة لتأمين تسييل المساعدات الخارجية لا سيما المالية منها".
ويوضح ان "اعلان ماكرون يأسه من الطبقة السياسية اللبنانية التي تتصف بالخيانة، سيرتب اعباء كبيرة على الواقع اللبناني، فهو انسحب من الملف السياسي الحكومي، ولم ينسحب من الملف الاقتصادي الذي يعتبر ركيزة اي تحرك للدول، ومرة جديدة سيكون المواطن اللبناني امام قفزة مالية واقتصادية في المجهول حيث لا ناصر خارجياً له ولا معين".