سُمّي "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا" ويعرف باسم "قانون قيصر"، الذي فرض عقوبات أميركية على رؤوس النظام السوري السابق. تلك العقوبات التي أنهكت النظام وأنهكت معه الشعب الثائر الذي خرج يطالب بتغييره. منذ أيام، عَرضت قناة "الجزيرة" مقابلة حصرية لكشف شخصية "قيصر"، الذي عن طريقه ولِد "قانون قيصر" الأميركي، وهو رئيس قسم الأدلة القضائية في الشرطة العسكرية في دمشق سابقاً المساعد أوّل فريد ندى المذهان، الشخصية التي كانت مجهولة وسرّبت عشرات آلاف الصور للمعتقلين السوريين القتلى في أقبية نظام الأسد إلى الخارج. وبالتعاون مع عدّة جهات، تم إيصال هذه الصور الموثقة إلى الإدارة الأميركية والمنظمات الحقوقية العالمية.
كانت له جملة لافتة في المقابلة وهي: "أنا أخاف من الكاميرا"، ربّما لكثرة ما شاهد وصوّر ووثّق، لكنه نجح. استغرق إنجاز "قانون قيصر" ست سنوات ليتمّ تفعيله، بعد أن وقع عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2019، بعقوبات على 39 شخصية من النظام السوري السابق، بمَن فيهم الرئيس المخلوع بشار الأسد وزوجته أسماء الأخرس، وكلّ من يتعاون معهم، والحجز على ممتلكاتهم داخل الأراضي الأميركية، إن وجدت.
عندما ظهرت اللقطة الأولى لوجه "قيصر" الذي كان ينتظره آلاف السوريين، شاهدنا ابن درعا، مهد الثورة السورية، الذي وثق عشرات آلاف الصور لجثث معذبة ومشوّهة، قضى أصحابها من رجال ونساء وأطفال تحت التعذيب، والتي كانت سبباً بتسمية القانون باسمه. يقول الصحافي والناشط الاجتماعي مصطفى الأبو حسنة: "عقوبات قيصر حاصرت النظام السوري اقتصادياً ومنعت الكثير من الدول، المنظمات والمؤسسات، من العمل معه، وساهمت في انهياره، بحيث اضطرّ في النهاية أن يتحوّل إلى تجارة الكبتاغون، والخطف، ليستطيع تأمين موازنة الدولة".
بدوره، يعتبر الصحافي السوري قتيبة ياسين أن "العقوبات كانت حلّاً كالكيّ بالنار، كالمريض الميؤوس منه يكويه الطبيب بالحرارة، وللأسف هذا الكيّ كان له تأثير سلبي، ولكنه كان شرّاً لا بدّ منه". تلك الشخصية التي ستذكرها الأجيال السورية، نال منها، كغيرها من السوريين، التهجير واللجوء والخوف، لكن المذهان امتلك الشجاعة ليقوم بعمله البطولي والذي سمّاه "رحلة الموت"، فمَن يعرف النظام السوري المجرم يُدرك أنه إذا تمّ الإمساك به، فمصيره الموت بعد عذاب أليم.
فما كان من المذهان إلّا أن أخفى "الفلاش ميموري" في جواربه وبين أرغفة الخبز، كما روى، ليخوض تلك الرحلة من تسريب الصور على مدى ثلاث سنوات، حيث كان يستشعر الخوف في كلّ لحظة، من خطأ واحد قد يرتكبه يكون نهاية له ولجهده المبذول. يوضح ياسين أنه "كان يُفضل لو أن "قيصر" بقي مختفياً حتى لا يتعرّض لأي خطر، ولو كان بنسبة قليلة. وفي النهاية، فإن ذلك من حقه، إن أراد أن يكشف شخصيّته الحقيقية كي لا يظلّ يعيش في الخفاء هو وعائلته، بل أن يعيشوا بأمان".
عندما ظهر اسم "قيصر" للمرّة الأولى، اعتقد كثيرون أنها شخصية خيالية وغير موجودة، ولكن عندما كُشفت شخصيّته زاد ذلك من صدقية الأمر، كما يقول الأبو حسنة. يجمع الصحافيان السوريان على أن الجميع كان في حالة صدمة عندما كُشفت هذه الشخصية، التي كان من المتوقع أن تكون جلودة قاسية لما مرّت به من أهوال، فكان العكس تماماً، بحيث شاهدنا قسمات وجهه تحمل وجدانية وطيبة واتزاناً وغيرة على سوريا.
اليوم، وبعد سقوط النظام البائِد، ستكشف الأيام شخصيات عملت لسوريا بصمت وخفية، أجبرها عليها الإجرام والبطش الذي ساد سوريا لـ54 عاماً، فمتى سترفع العقوبات بالكامل عن بلد منهار اقتصادياً لتدبّ الروح فيه من جديد؟