شادي معلوف

هنا الإذاعة

3 دقائق للقراءة

عام 2011 أعلنت الدول الأعضاء في "اليونسكو" يوماً عالمياً للإذاعة، واعتمدته الجمعية العامة في "الأمم المتحدة" عام 2012 كواحد من الأيام الدوليّة للمنظّمة الأمميّة، فأصبح تاريخ 13 شباط من كلّ سنة "اليوم العالمي للإذاعة" الذي خُصّص هذا العام لموضوع "الإذاعة وتغيُّر المناخ" من أجل دعم المحطات الإذاعية في تغطيتها الإعلاميّة لهذا الموضوع.


اعتماد المنظّمة الدوليّة يوماً للإذاعة، يؤكّد استمرار حضور وتأثير هذه الوسيلة في المشهد الإعلامي والتواصلي العام. وقد أثبتت الأيام والتجارب أنّ ما من وسيلة إعلاميّة ألغت سابقاتها، كما كان يخشى البعض أو "يُبشّر" كلّما طرأ جديد على خريطة وسائل الإعلام. لكنّ ذلك لا ينفي أنّ كلّ جديد يحظى بإقبال الجمهور الذي ينفضّ عن الوسائل الإعلامية السابقة.


ومع دخول الإعلام الحديث على الخط، والذي نتج عن التقنيات الجديدة والمتطورة التي دخلت على وسائط البث، برز الانعكاس الأقوى على البث الإذاعي شكلاً ومضموناً. فإذا كان عُرف عن الإذاعة بقاؤها طويلاً الوسيلة الإعلامية الأسهل لوصول الجمهور إليها، والأسرع في إيراد المعلومة، والأدنى كلفة في تأمين متطلباتها التقنية والبشريّة مقارنةً مع الوسائل الإعلامية الأخرى، إلا أنّ المنصّات والتطبيقات الإلكترونية الحديثة جاءت لتعيد النظر في كل تلك الجوانب. ففاز البث المباشر ونشر الخبر أو المعلومة عبر "فايسبوك" أو "إكس" أو "إنستغرام"، على الإذاعة، بنسبة لا بأس بها.


في المقابل، يُحسب للعديد من الإذاعات أنها أجادت استغلال تلك التقنيات لتطوير نفسها وبلوغ جمهور أوسع، فبقيت رفيقة المستمع في سيارته أو رحلته خارج بلاده، لسهولة البث الصوتي المباشر.


إنما بكلّ أسف أفقد هذا التطوّر، الإذاعة، ميزاتها، بحيث صار المذياع في يد من يستحق ومن لا يستحق حمله على السواء. ودخول الكاميرا والصورة إلى الإذاعة، جعل بعض القائمين عليها يستسهلون اختيار العاملين فيها، فصارت كما التلفزيون تلجأ للشكل على حساب جودة الصوت والأداء واللغة، وهي المقوّمات التي كانت على أساسها تختار المؤسسات الإذاعية العاملين والعاملات فيها.


ودخول الصورة إلى الإذاعة، مع رغبة إداراتها في كسب جمهور إضافي وسعي المذيعين والمذيعات لتحقيق شهرة أوسع وأكبر وأسرع، جعل "سحر" الإذاعة يخفت. فلم يعد المستمع يرسم في مخيّلته لصوت المذيع صورة، لأنّ صورته باتت متوفرة في الفيديو الذي يطلّ من خلاله. وأضحى الإذاعيّ أو الإذاعية مثل الذي "رقص على السلّم" فلم يطل لا إذاعة ولا تلفزيوناً، حيث أنّ لا "الويب تي في" ولا البث المباشر عبر "فايسبوك" أو "إنستغرام" أو "إكس" جعل من الإذاعة تلفزيوناً، ولا الإذاعة بقيت إذاعة، بل صار مذيعوها في أدائهم يحاولون الجمع بين الوسيلتين.


فمعظم الإذاعات التي صارت صوتاً وصورة، لم يعد أداء مذيعاتها ومذيعيها يتوافق والأداء الإذاعي المحترف، ناهيك عن نوعيّة البث الصوتي الذي أضحى "فالتاً" بعدما خسر الضبط الذي يؤمنه ستوديو الإذاعة بتجهيزاته الخاصة التي تؤمن الصوت المضبوط والدافئ. وفقد المذيعون الذين يبثّون مادتهم صوتاً وصورة، تقنيات، كان مذيعو الإذاعة يتدرّبون عليها قبل الجلوس خلف المذياع، من أصول التنفّس، إلى "سحب" الورقة من خلف الميكروفون الإذاعي من دون "خشخشة"، إلى "لغة الإشارة" التي يتواصل بها المذيع مع مهندس الصوت.


التجارب جميلة، والمحاولات أجمل، والتطوّر أحلى وأحلى، لكن آن الأوان كي تعود الإذاعة إلى ذاتها والإذاعيون إلى أصول مهنتهم. أما الطامحون إلى الصورة، فالتلفزيونات موجودة والمنصّات متوفّرة بكثرة وتتوسع، قدّموا "CV" وبالتوفيق.