في حين ينظر العالم إلى "كرنفال ريو دي جانيرو" على أنه ذروة الاحتفالات والرقص والألوان، فاللبنانيّون يعرفون أنّ لديهم مهرجاناً أعظم وأخطر بكثير: إنه "أسبوع المرفع!". الفرق الوحيد؟ في "الريو"، يستعرضون الرشاقة واللياقة، بينما في المرفع عندنا، نختبر، نحن المقبلين على الصوم الكبير، قدرة المعدة على الصمود أمام انهيار غذائي شامل!
في "الريو" يقضي الناس شهوراً في التمارين الرياضية، والرقص، واتّباع حمية غذائية صارمة للحصول على جسد مثالي يليق بالأزياء اللامعة والاستعراضات الساحرة.
أما في لبنان فتبدأ التحضيرات قبل أسابيع، حيث يطيب للناس إعداد لوائح الطعام في رؤوسهم ويستعرضون في الجزء الأعلى من أدمغتهم أقداح العرق مصفوفة مرصوفة متألقة بالأبيض والثلج، و "بصحّتكن"! يفكّرون مليّاً في ضبط جودة العرق، ويحجزون موعداً مع اللّحام لتأمين "الكروش" و "الفوارغ" و "الكراعين" و "رؤوس النيفا"! علماً أنّ "الفوارغ" و "الكروش" وكلّ المذكور آنفاً، ليست مجرّد أطباق، بل هي اختبار شخصي للشجاعة. فأن تأكل شيئاً كان سابقاً "حافظة بيانات" لمحتويات غير معروفة، يحتاج إلى قلب قوي ومعدة بلا مخاوف.
على أيّ حال ينسى اللبنانيون، حتّى المترفون جدّاً منهم، أيّ طعام أجنبي. كلّ الصحون لبنانيّة حتى "دمعة" زيت الزيتون على لقمة "الكبّة النيّة" بخبز الصاج المرقوق، وكم يصرّون على اللّحام أنهم الأحق بالمعلاق من سواهم، طبعاً فصعب جدّاً أن يمرّ المرفع بلا ذاك الممشوق العيّوق بـ "حلاواته" و "السودا" و "الطحال" والقلب و "الكلاوي". لا أحد في زمن مرفعنا يهتمّ بالرشاقة، اليوم اللقمة بيدك والغد بعيد.
بين البريق والدهون
في "الريو" يملأ الريش الشوارع إذ يرتدي المشاركون أزياء مزيّنة بالريش والأحجار اللامعة، وتسطع الألوان الزاهية في كل مكان، وتتألّق الراقصات كطيور استوائية خرجت من حلم ملوّن.
في لبنان، يختفي كل ريش، حتى ريش الدجاج. لا حاجة للأزياء المتألّقة، فاللّبناني في المرفع يرتدي "تي شيرت" مريح يُمكن أن يستوعب توسّع المعدة من زحمة اللحوم الحمراء، مع بنطلون رياضي فضفاض استعداداً للطوارئ الغذائية! وأحياناً، يتزيّن البعض بشال من حرير ليس كموضة، بل لمسح العرق الناتج عن كميات مشروب العنب المقطّر واليانسون ولا من يتذكّرون.
عروض السامبا و "المعاليق"
في "الريو" تضجّ الشوارع بالموسيقى، وتستعرض فرق السامبا مهاراتها، والأجواء كلّها تحت شعار الإيقاع، والجمال، والانسيابيّة.
أما في لبنان فالمشهد مختلف تماماً، بدلاً من راقصي السامبا، لدينا "راقصو المعاليق"، حيث يجلس كلّ شخص أمام صحنه ويبدأ برقصة احترافية بين "الكبّة"، "الفوارغ"، و "السودا النيّة" و "اللّيّة"، وسط هتافات التشجيع "يلّا، بعد وحدة! صحتين!". وفي حين أنّ راقصات الريو يتحرّكن بانسيابية ساحرة، فإنّ اللّبناني بعد وجبة المرفع يتحرّك بانسيابية الحلزون المصاب بالتخمة!
بين الكايبيرينيا والعرق
في كرنفال "الريو" المشروب الرسمي هو "كايبيرينيا"، خليط منعش من "الكاشاسا" (خمر مصنوع من قصب السّكر)، اللّيمون، والسكّر. يُشرب بلطافة وأناقة، وينعش الأجواء الاحتفالية. وفي مرفع لبنان المشروب الرسمي هو العرق، والهدف ليس الانتعاش، بل تثبيت الجهاز الهضمي وإرسال إشارات طمأنة للكبد بأن الأمور تحت السيطرة مع أنها ليست كذلك أبداً! وبعد الكأس الثالثة، يدخل الجميع في مرحلة التحليل العميق، حيث يتمّ حلّ مشاكل الشرق الأوسط في أقل من عشر دقائق، قبل الانتقال إلى موال عاطفي بصوت أجش.
استعراضات وانهيارات
في "الريو" ينتهي الكرنفال برقصة أخيرة، الشوارع تمتلئ بالناس السعداء، والمدينة تستيقظ في اليوم التالي بحيويّة ونشاط. بينما ينتهي المرفع في لبنان بجلوس جماعي على الكنبة، مع نظرات تائهة، ويد على المعدة، وعبارات ندم كلاسيكية: "مش لازم كنت آكل هلقد!"
والفارق الأهم؟ في "الريو"، يحتاج المشاركون إلى أيام لاستعادة طاقتهم، أما في لبنان، فنحتاج إلى 40 يوم صيام كاملة قبل أن نبدأ بالتفكير في الطعام مرة أخرى!
إمبراطور المرفع
قبل أن يصل "أحد المرفع" وتعمر حفلات الشواء و "هوّيلو" في اليوم الأخير، فإنّ "خميس السكارى" يسبقه كونه المتوّج إمبراطوراً للمرفع، سكران وعاشقاً لكلّ اللذائذ، معه تصل رحلة "الندم الصحي" إلى أوجها. "خميس السكارى" اليوم الذي يجتمع فيه الأصدقاء والأقارب لا لأنهم عطشى، بل لأن "شو حلوي التقاليد!". فالمسألة ليست شرباً فقط، بل هو احتفال ثقافي حيث يتمّ اختبار حدود الاحتمال البشري قبل الدخول في تقشّف "الصوم الكبير". يبدأ النهار بتصريحات رصينة مثل "أنا ما رح كتِّر، بس كاس واحد للبرَكة. منشرب بس على مَهِل، مش ضروري نخلّص الألفيي!". ولكن، وكما تعلّمنا من "الخميسات" السابقة، لا تصمد هذه العبارات أكثر من 15 دقيقة.
سُلّم الكؤوس
الكأس الأولى: جلسة ثقافية، أحاديث عن الفلسفة والحياة، وكلام عميق عن المستقبل.
الكأس الثانية: يتسلّل الغزل العشوائي، ويتحوّل كلّ شخص إلى شاعر من الطراز الرفيع، حتى لو كان يرسل رسائل نصيّة بأخطاء إملائية قاتلة.
الكأس الثالثة: هنا تبدأ نظريّات المؤامرة، ويبدأ أحدهم بتحليل الوضع الاقتصادي أو إعادة الإعمار على الرغم من أنه لم يعرف مرّة بماذا تفيدنا هذه العلامة العجيبة "π" في حياتنا العملية.
الكأس الرابعة: الغناء بصوت عالٍ. حتى أولئك الذين لم يغنّوا يوماً، يصبحون فجأة نجوم حفلة "كاريوكي" ويصدحون بجرأة خالصة بأغنيات لفيروز أو وديع الصافي مع دمعة حنين على الخد.
الكأس الخامسة وما فوق: هنا نصل إلى المرحلة النهائية، حيث يبدأ البعض بمصالحة أعداء الطفولة، وإرسال رسائل اعتذار للحب القديم، وربما محاولة احتضان عمود الكهرباء كأنه صديق قديم!
وبعدها كيف نعرف أنّ السهرة خرجت عن السيطرة؟ سهلة! يبدأ شخص بإلقاء خطب طويلة عن أهمية الصداقة بينما يضع يده على كتف الجميع بلا استثناء، ويُقسم أحدهم أنه "مش سكران أبداً"، بينما يحاول الجلوس على كرسي غير موجود. ظهور عبارة "اسمعني، إنت خيّي وما رح خلّي حدا يزعّلك!" تتكرر كل 5 دقائق. أو حوار فلسفي يتحوّل فجأة إلى حديث عن أفضل مطعم يقدّم سندويشات فلافل الساعة الثالثة فجراً.
ولكن كما نعلم جميعاً، فالتاريخ يعيد نفسه، والعقل ينسى، ولكن المعدة دائماً تتذكّر!
التحلية وإعدام المعدة
بعد كل هذا، يأتي وقت التحلية، التي تُفرض فرضاً كأنها استكمال لتقاليد التعذيب الغذائي. يبدأ المشوار بـ "زنود الست"، تلك القنابل السكّرية المقليّة التي تغمر الساهرين بالسعرات الحرارية حتى الأذنين، ثم ننتقل إلى "الفريزييه"، تلك الكعكة التي تجمع "الفريز" و "الكريما" في انسجامٍ مريب، وكأنّ الجسم لم يكن بحاجة إلى مزيد من الطعنات، في التحلية فقط للأجنبي حصة في خميسنا للسكارى.
وفي النهاية، يجلس الجميع في حالة سبات عميق، يشبه السبات الشتوي للدببة، ولكن الفرق الوحيد أن الدببة لا تستيقظ مع صداع العرق والندم الصباحي!
وهكذا بعد الخميس والأحد وما بينهما ينتهي المرفع، ويبقى الجهاز الهضمي في حالة احتجاج، بانتظار رحمة "الصوم الكبير"، ولكن لا تقلقوا، فبعد الصوم هناك العيد، ومأكولات أخرى تنتظر دورها في المعركة!
الزبدة والدهون يمكن أن تختفي من أمامنا ولكن ذكرياتها تبقى في القلب وربما القليل منها في الشرايين. فلنفتحها بآخر كأس عرق، وكل مرفع و "كاسكن" مرفوع وقلوبكم تنبض بكثير من الفرح وبقليل من أوجاع المعدة!