ايلي الياس

نقيض لبنان (2): "حزب الله"

3 دقائق للقراءة

لم يكن "حزب اللّه" يوماً حزباً لبنانياً بالمعنى السيادي والوطني، بل وُلد عام 1985 كامتدادٍ لمشروعٍ عقائدي وسياسي إيراني يتجاوز حدود لبنان، خاضعاً بالكامل لسلطة "الولي الفقيه". الوثيقة التأسيسية "للحزب"، كما وردت في "الرسالة المفتوحة" في 16 شباط 1985، إلى جانب كتاب نعيم قاسم ودستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن "الحزب" ليس إلا ذراعاً لطهران، ينفّذ أجندتها، ويتعامل مع لبنان كأداةٍ تخدم مشروعها الإقليمي، لا كدولةٍ ذات سيادة. فـ "الحزب" يعرّف نفسه بأنه جزء من "أمّة حزب اللّه"، وهي أمّةٌ عقائديةٌ تتجاوز الحدود الجغرافية وتخضع بالكامل لقيادة المرشد الأعلى في إيران، ولم تنجح الوثيقة السياسية التي أطلقها "الحزب" عام 2009 في تغيير المفاهيم التي أطلقها في "الرسالة المفتوحة". هذه العقيدة تجعله منفصلاً عن أي مفهومٍ وطني، إذ يرى في لبنان مجرد "مكانٍ وإمكان" لتنفيذ مشروعه، بينما الدولة اللبنانية، وفق أدبياته، ليست سوى "تركيبةٍ ظالمة" فرضها الاستعمار، ما يجعل تغييرها هدفاً ثابتاً في استراتيجيته.


لا يقتصر ارتباط "الحزب" بطهران على التوجيهات السياسية، بل يشمل التبعية العقائدية والتنظيمية، حيث يشكّل العمل السياسي والعسكري جزءاً من "التكليف الشرعي" الذي يحدّده المرشد الأعلى. ومن هذا المنطلق، لم يكن تورّط "الحزب" في النزاعات الإقليمية، من سوريا إلى اليمن، خياراً ظرفياً، بل التزاماً جوهرياً بمشروع الثورة الإسلامية الذي ينصّ عليه دستور الجمهورية الإيرانية، خصوصاً في مادته 153 التي تؤكد دعم "المستضعفين" في العالم، وهو المبدأ الذي يشكّل الإطار الذي يتحرك ضمنه "حزب اللّه".


أما في الداخل اللبناني، فقد عزّز "الحزب" نفوذه على حساب مؤسسات الدولة، فأنشأ واقعاً موازياً يفرض من خلاله قراراته السياسية والعسكرية بمعزلٍ عن السلطات الشرعية. منذ التسعينات، نجح في بناء منظومةٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ تفوق قدرات الدولة اللبنانية، فارضاً معادلةً قائمةً على احتكار السلاح والقرار الاستراتيجي، في ظل هيمنةٍ مطلقةٍ على الطائفة الشيعية التي باتت خاضعةً لإرادته، لا لسلطة الدولة. هذا التفرّد بالقرار، والارتهان للخارج، يفسّران الموقف الدائم للحزب الرافض لأي حوارٍ جادّ حول سلاحه أو دوره، باعتبار أن قراراته ليست ذاتية، بل تصدر من طهران.


اليوم، وبعد أربعة عقودٍ على تأسيسه، يواجه الحزب واحدةً من أعقد أزماته، حيث وجد نفسه في حرب استنزافٍ منذ تشرين الأول 2023 بعد تدخله العسكري في "حرب الإسناد" لغزة. غير أن هذه الحرب لم تحقق أهدافها، بل كشفت حدود قوته، إذ تعرّض لنكسةٍ عسكريةٍ ضخمة بعد مقتل قياداته وخسائر في كوادره بالآلاف، دون أن يتمكن من فرض أي تغييرٍ في التوازنات الإقليمية. لكن هذه الهزيمة، رغم وقعها، لن تدفعه إلى مراجعة استراتيجيته أو تسليم سلاحه للدولة اللبنانية، فهو لم يُبنَ ليكون مكوّناً سياسياً داخلياً، بل ليكون أداةً عسكريةً إيرانية، وبالتالي فإن أي تراجعٍ في قوته لن يؤدي إلّا إلى مزيدٍ من التصلّب، مع محاولات استثمار ما تبقّى من نفوذه داخلياً للحفاظ على موقعه.


أخيراً، فإن أي حكومةٍ تشارك فيها هذه الميليشيا لن تكون إلّا واجهةً شكلية، بينما القرار الفعلي سيظل بيد طهران. وعليه، فإن الرهان على دمج الحزب في المؤسسات الشرعية هو ضربٌ من الوهم، إذ لا مجال لتقاسم السلطة مع من لا يؤمن أصلاً بفكرة الدولة الوطنية، ويرى في لبنان ساحةً، لا وطناً، وفي مؤسساته مجرد أدواتٍ لتغطية مشروعه العقائدي والعسكري.