جوزيف حبيب

انطلاق مسار الانعتاق من "أثقال التاريخ"

"نداء الاستيقاظ" يُحرّر ألمانيا من "عقدة الذنب"

6 دقائق للقراءة
فايدل أثناء مصافحتها ميرتس خلال مناظرة الأحد الفائت (رويترز)

تعيش ألمانيا "ربع الساعة الأخير" قبل أن تطوي بشكل شبه كامل صفحة "عقدة الذنب"، التي ظلّت أسيرة لها لعقود طويلة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما تركته من ندبات عميقة مرتبطة بالجرائم النازية والمحرقة اليهودية. صحيح أن التعلّم من عِبر التاريخ أمر بالغ الأهمية لعدم تكرار مآسيه، بيد أن الغرق في مستنقع "جلد الذات" وتشريع أبواب البلاد للغرباء، لن يُكفّر عن معاصي الأجداد، بينما سيورّث الأحفاد مُلمّات وبَلايا يُمكن تفاديها. ألمانيا تتهيّأ لارتداء "حلّة جديدة" مع اقتراب "عرسها الديمقراطي" الأحد المقبل، بالتزامن مع توسّع رقعة الشرائح المجتمعية التي اختبرت "نداء الاستيقاظ" لوضع حدّ نهائي للنهج السائِد وتغيير مسار البلاد.


لقد ضاقت غالبية الألمان ذرعاً بسياسات الأحزاب التقليدية التي أغرقت البلاد بمئات آلاف اللاجئين غير الشرعيين، وسط وضع اقتصادي يزداد تأزّماً بالتوازي مع توسّع التصدّعات بين ضفتي الأطلسي. لا يوجد إنجاز سياسي أو اقتصادي أو دبلوماسي جدّي يستطيع التشفّع بالائتلاف الحاكم الحالي برئاسة المستشار "الاشتراكي الديمقراطي" "المُغادر" أولاف شولتز. يتصدّر "الاتحاد المسيحي الديمقراطي" المحافظ استطلاعات الرأي بنحو 30 في المئة، يليه حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الحازم بنسبة تتخطّى الـ 20 في المئة، في وقت يحلّ فيه الحزب "الاشتراكي الديمقراطي" في المرتبة الثالثة مع حوالى 15 في المئة. أمّا "حزب الخضر" فيأتي في المرتبة الرابعة مع 13 في المئة، علماً أن واحداً من كلّ خمسة ناخبين لم يحسم قراره بعد.


زعيم المحافظين فريدريش ميرتس، وهو المرشّح الأوفر حظّاً لتولّي منصب المستشار بعد الانتخابات، أعاد تأهيل "حزب ميركل" المترهّل وتصويب مساره نحو اليمين وجعله لاعباً أساسياً على الخريطة الانتخابية من جديد، بعدما كان قد تراجع دراماتيكياً بفِعل تداعيات سياسات المستشارة السابقة أنغيلا ميركل الكارثية، خصوصاً على صعيد الهجرة. "الاعتداءات الجهادية" والهجمات الدموية والجرائم الشنيعة المتوالية التي يُنفذها لاجئون، فضلاً عن فرضهم قيماً وممارسات منافية للثقافة الألمانية، على محيطهم، وفشل سياسات "الاندماج" الذريع، دفعت المواطنين للجنوح بقوّة نحو اليمين مع الوقت.


وجود "البديل"، الذي أبصر النور عام 2013، وصعوده السريع على الساحة السياسية، رغم استراتيجية "جدار العزل" التقليدية التي تنتهجها بقية الأحزاب الرافضة للتعامل مع الحزب اليميني الحازم، حتّم على "الاتحاد المسيحي الديمقراطي" اتخاذ خطوات عملاقة نحو اليمين واعتماد مقاربة صارمة، خصوصاً في ملف الهجرة، لكي يفرض نفسه كحزب يميني محافظ لا يتهاون في قضايا الهوية، والظهور كخيار أكثر عقلانية ومؤسساتية من "البديل"، يستطيع الناقمون من السياسات المتعاقبة منحه ثقتهم لتنفيذ أجندته بحكمة وفعالية.


كان "البديل" محظوظاً للغاية بعودة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث تلقّى الحزب جرعات دعم هائلة من أغنى رجل في العالم إيلون ماسك، الذي يحتكر "بطاقة دخول مفتوحة" إلى المكتب البيضوي. فماسك يعتبر الحزب "أفضل أمل لمستقبل ألمانيا"، التي عليها الافتخار بثقافة شعبها التاريخية. كما أثار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس سخط الأوروبّيين بخطابه الناري اللاذع أمام "مؤتمر ميونيخ للأمن"، حين رفع الصوت للتحذير من سيف الرقابة الذي يذبح حرّية التعبير في أوروبا، مطالباً بإسقاط "جدران العزل" التي تحاول إبعاد اليمين الحازم ونسف أبسط مبادئ الديمقراطية. وكان معبّراً حرص فانس على الاجتماع بزعيمة "البديل" أليس فايدل، التي أضحت المرشّحة المفضّلة لإدارة ترامب لتبوّؤ منصب المستشار.


إذا لم يُفاجئ "البديل" الجميع ويتصدّر المشهد الانتخابي الأحد، يبقى ميرتس الأقرب إلى انتزاع لقب المستشار، لكنّه سيكون بحاجة إلى شركاء لتشكيل ائتلاف حاكم. وهنا تطرح أكثر من علامة استفهام، أبرزها: هل سيلتزم الزعيم المحافظ بتعهّده بعدم مدّ يد الشراكة لـ "البديل"، أم أنه سيعتمد "الواقعية السياسية" في تشكيل الحكومة؟ الأكيد أن تركيب أي ائتلاف غير متجانس يستبعد "البديل"، سيؤدّي حكماً إلى تقوية الأخير شعبياً. "البديل" استحال رقماً صعباً في اللعبة السياسية، فهو إمّا سيفرض "التطبيع" معه قريباً، وإمّا سيظهر بموقع المضطهد سياسياً، ما سيُعطيه زخماً شعبياً إضافياً قد يصعد به لاحقاً إلى قمّة هرم السلطة.


عدا عن ذلك، قد تحذو ألمانيا حذو "جارتها الشقيقة" النمسا وتدخل في أزمة حكم، ولو موَقتة، إذ فشل "حزب الحرّية" النمسوي اليميني الحازم، الذي تصدّر الانتخابات في أيلول الفائت، في تشكيل حكومة ائتلافية، بعدما حاولت أحزاب أخرى تشكيل ائتلاف غير متناسق يُقصي "حزب الحرّية"، الذي حصد 29 في المئة من الأصوات، وأخفقت في تحقيق ذلك. وصارت النمسا على قاب قوسين أو أدنى من الذهاب إلى انتخابات مبكرة يُرجّح أن يقطف "حزب الحرّية" ثمارها بحصّة أكبر.


لهذا، يجزم الخبراء بضرورة احترام خيارات المواطنين الديمقراطية وإشراك الأحزاب اليمينية الحازمة بالسلطة، فإذا خيّبت آمال الناخبين يُحاسبها هؤلاء في الاستحقاقات المقبلة، وإذا نجحت في الحكم تكون على قدر المسؤولية لتولّي السلطة. في كلّ الأحوال، أصبح لـ "الهوى اليميني" الكلمة الفصل في ألمانيا، التي ستتّبع سياسات هجرة أكثر تشدّداً مستقبلاً. البلاد بحاجة إلى يد عاملة فتية، إلّا أن برلين ستتجه نحو تأمين عمّال بطريقة منظّمة من مجتمعات تتشارك وألمانيا قيماً وثقافة مشتركة "تقدّس" الحرّيات وتحترم "الآخر". لا مكان لفوضى سياسة "الحدود المشرّعة" بعد اليوم، ولا تهاون مع مَن يُريد فرض نظرته الشمولية الظلامية على المجتمع.


تحت ضغط اليمين، تُسيّر البلاد رحلات جوّية تُرحّل عبرها مهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، وتُخطّط لتكثيف تلك الرحلات وفتح قنوات تواصل مع عواصم مختلفة لتسهيل عمليات "الطرد الجماعي". الألمان يُريدون عودة شوارعهم آمنة ونظيفة، بأقلّ قدر من الضوضاء والخسائر على المستويات كافة، وهم سيُعبّرون عن إرادتهم الحرّة في صناديق الاقتراع وسيُصوّتون على هذا الأساس. سيخلعون رداء "الندم والتوبة" ويمزّقونه ويحرقونه، وسيكسرون سلاسل "أثقال الماضي" مُحصِّنين أنفسهم باستقائهم دروس التاريخ. ستحسم ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد خياراتهم وتعيد رسم "وجه ألمانيا الجديد". ما بعد 23 شباط لن يكون كما قبله.