أنطونيو رزق

البلاد نحو حكومتين

«حرب الجنرالين» تُقطّع أوصال السودان

3 دقائق للقراءة
يتقدّم الجيش السوداني على عدة محاور في البلاد (رويترز)

بعد حوالى عامين على اندلاع «حرب الجنرالين» في السودان بين الجيش بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان و»قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ «حميدتي»، يتقدّم الجيش على عدة محاور في البلاد منذ أسابيع، خصوصاً في العاصمة الخرطوم، التي كانت «الدعم السريع» تسيطر على معظمها طوال الحرب، ما دفع «حميدتي» إلى جمع سياسيين وزعماء الجماعات المسلّحة المتحالفين معه في العاصمة الكينية نيروبي، حيث سيُعلن اليوم تشكيل حكومة موازية لحكم المناطق التي لا تزال تسيطر عليها قواته، فيما كان البرهان قد أكد عزمه تشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط.


بينما يرى مراقبون أن إعلان «حميدتي» تشكيل حكومة موازية سيعبّد الطريق أمام تقسيم السودان، أكد مساعد القائد العام للجيش السوداني وعضو مجلس السيادة ياسر العطا الثلثاء أن تحرير الخرطوم أصبح في مرحلته الأخيرة، متوعّداً من يُفكّرون بتشكيل حكومة موازية بقتالهم في كلّ شبر من السودان. يصرّ البرهان على استعادة السيطرة على كامل السودان وحكم البلاد مركزياً لفترة انتقالية، قبل تنظيم انتخابات عامة، بينما كان «حميدتي» قد طرح الفدرالية سابقاً ويذهب اليوم أبعد من ذلك عبر إعلانه ما يعتبره مراقبون «حكومة انفصالية». أمام هذا التناقض في الأهداف السياسية، يسعى البرهان إلى الحسم العسكري، وقد حشد من أجل ذلك دعماً داخلياً من مجموعات مسلّحة مختلفة تحالفت مع الجيش، ودعماً خارجياً يرتكز بشكل أساسي على روسيا وإيران.


كان العامل الأكثر تأثيراً في تبدل ميزان القوى على الأرض لمصلحة البرهان، تكثيف موسكو دعمها له بعدما كانت قبل ذلك تدعم «الدعم السريع» بشكل أكبر عبر مجموعة «فاغنر» التابعة لها. تبعاً لذلك، بدأ الكرملين يحصد ثمار رهانه على البرهان، إذ أسفر اجتماع في موسكو الأسبوع الماضي بين وزيرَي خارجية السودان وروسيا عن تفاهم كامل على ملف إنشاء قاعدة عسكرية بحرية روسية في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر في شرق البلاد. ويأتي هذا التفاهم في وقت حساس بالنسبة إلى روسيا التي تخشى خسارة قاعدتيها العسكريتين في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد البائِد.


بناء على ذلك، من المتوقع أن تُكثّف موسكو دعمها للجيش السوداني، حتى يتمكّن من حسم الحرب، إلّا أن المعارك التي تشهدها الخرطوم والولايات المحيطة بها في وسط السودان تتسبّب بخسائر كبيرة في أرواح العسكريين والمدنيين، ما يؤشر إلى حجم الخسائر المتوقعة في المعارك التي قد تحصل في معقل «الدعم السريع» في غرب البلاد، حيث سيواجه الجيش السوداني معركة طويلة ومكلفة وغير محسومة النتائج، ولا سيّما في ولايات شرق دارفور ووسطه وجنوبه وغربه، الواقعة على الحدود بين السودان وكل من جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد، حيث تمتلك «الدعم السريع» خطوط إمداد من البلدين الأخيرين.


يأمل الشعب السوداني في أن تنتهي الحرب التي تسبّبت بأكبر كارثة إنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة، لكن الخطوات السياسية التي اتخذها كلّ من البرهان و»حميدتي» تدفعهما إلى صدام لا مفرّ منه، إلّا إذا تنازل البرهان عن نيّته بحكم كامل الأراضي السودانية ومنح «حميدتي» نوعاً من الحكم الذاتي في المناطق التي تسيطر عليها قواته في غرب البلاد. لن يحصل هذا السيناريو الذي يجنب السودان جولة قتال قد تكون الأعنف والأكثر دموية منذ بدء الحرب، إلّا في حال استطاع «حميدتي» تعزيز ما تبقى له من قوّة وتوجيه كامل قدراته إلى الدفاع وتحصين مناطق سيطرته في غرب السودان، ما قد يردع البرهان عن محاولة استعادة تلك المناطق ويجعله قابلاً للتفاوض حول مصير الحكم فيها.