بن درور يميني - "يديعوت أحرونوت"

خطر المبادرة العربية

5 دقائق للقراءة
الفراغ الذي خلقه نتنياهو تملأه الدول العربية التي تبلور خطة لإعمار قطاع غزة (رويترز)

كتب بن درور يميني مقالاً اليوم في صحيفة "يديعوت أحرونوت" بعنوان "خطر المبادرة العربية"، جاء فيه:


أفادني قبل يومين شخص تولّى مناصب عدة في الأمم المتحدة بأن "الأونروا" عملت عشرات السنوات بتشجيع إسرائيل ودعمها، وكان محقاً. كما من المعروف أن المساعدات القطرية الدائمة وصلت إلى "حماس" على مدى سنوات عدة بتشجيع من إسرائيل ودعمها. كذلك، الأمر بالنسبة إلى ترسانة "حزب اللّه"، التي اتّسعت، منذ نهاية "حرب لبنان الثانية" (حرب تموز 2006)، تحت أنظار إسرائيل.


القاسم المشترك بين كل هذه الأحداث هو الرغبة في الهدوء وتجنّب مواجهة أخرى. أملنا أن تصدأ صواريخ "حزب اللّه" في المخازن. أملنا أن تنسي "الأونروا" العالم، وربما تنسينا نحن أيضاً، وجود قضية فلسطينية. كما كان هناك إجماع واسع، في اليسار واليمين، على أن الازدهار في غزة، من خلال مساعدة قطر والسماح لحوالى 20 ألف عامل من غزة بالعمل في إسرائيل، سيؤدي إلى هدوء لسنوات طويلة.


تفجّرت كل هذه المفاهيم في وجهنا، إذ لم تصدأ صواريخ "حزب اللّه"، وتربّى لاجئو "الأونروا" في المخيّمات على الكراهية وخلّدوا القضية الفلسطينية. أما في قطاع غزة، فاستخدموا المداخيل الهائلة المتأتية من الغزيين الذين يعملون في إسرائيل ومن المساعدات القطرية، لغرض إنشاء بنية تحتية إرهابية بالغة التطوّر تحت الأرض وفوقها.


هل تعلّمنا شيئاً؟ هل استخلصنا الدروس؟ الأمر ليس أكيداً على الإطلاق، لأن الكثيرين منا يتمنّون "عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة". جرى خلال العقدين الأخيرين الكثير من محاولات المصالحة بين "فتح" و "حماس"، إذ وُقّع اتفاق مصالحة في مكة في 2007، واتفاقان آخران في صنعاء في 2008 وفي القاهرة في 2011، ثمّ وقّع اتفاق في الدوحة في 2012 بهدف تنفيذ اتفاق القاهرة. بعدها توصّل الطرفان إلى اتفاق جديد في 2014 في غزة وفي القاهرة، ثم وقّع اتفاق آخر في القاهرة أيضاً في 2017. وفي 2020، تقرّر تعاون استراتيجي، هذه المرّة في رام اللّه. وبعد عامين، وقّع اتفاق آخر في الجزائر. تتبع كلّ الاتفاقات عملياً سلسلة من الإخفاقات، لأنه لم يدخل أي منها حيّز التنفيذ. رعت الصين الاتفاق الأخير بين "حماس" و "فتح" في تموز 2024، حيث، خلافاً للاتفاقات السابقة، توافق الطرفان على نقل مسؤولية إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية.


تسبّبت "حماس" في دمار وخراب، ويفترض أن تنفذ السلطة الفلسطينية خطة إعادة الإعمار، بحيث تختلط هذه المرة المبادرة العربية بالتوافق الفلسطيني الداخلي. الاحتمالات لتنفيذ المبادرة أعلى بقليل من السابق بسبب عدم وجود خطة إسرائيلية لما بعد الحرب، واصطدام خطة ترامب، التي تقضي بترحيل الغزيين، بمقاومة منيعة، وكانت الخطة أساساً تتراوح بين الارتجال والخيال. تبنّى نتنياهو خطة ترامب، ما يعني أن رئيس الوزراء ليس لديه أي خطة، فقد ركب موجة ترامب. إن الفراغ الذي خلقه نتنياهو تملأه الدول العربية، التي تبلور الخطة لإعمار قطاع غزة. ومع مرور الأيام، يتبيّن أن هذه الخطة هي الأمر الوحيد الذي سيبقى على طاولة البحث العملي.


لن يقنع ترامب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بتبني خطة الترحيل، لكن يوجد احتمال أعلى بأن يقنع بن سلمان ترامب. تجدر الإشارة إلى أن الرياض بدأت تصبح لاعباً مركزياً على الساحة الدولية، إذ إن المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا على التسوية في أوكرانيا ستجري هناك. في لعبة الشطرنج العالمية، يوجد لهذا الموقع معانٍ استراتيجية جدية.


ولكن، مع كل الاحترام للمبادرة العربية، إنها مبادرة خطرة، إذ حتى لو وقفت "حماس" قليلاً خلف الكواليس، يبقى أنه طالما لا تتضمّن المبادرة خطة عملية لنزع سلاح منظمة الإرهاب، فستكون هذه مبادرة أخرى تؤمّن الهدوء على المدى القصير، ثمّ تكلفنا ثمناً دموياً خطراً بعد بضع سنوات. ستصبح "حماس"، "حزب اللّه" السلطة الفلسطينية، بداية في القطاع ولاحقاً، وهذا يحصل منذ الآن، في مناطق الضفة أيضاً. الإغراء لتحقيق الهدوء مع "الأونروا"، مع "حماس"، ومع "حزب اللّه" سيؤدّي إلى النتيجة عينها. هدوء زائف في المعركة الأولى، وربما أيضاً في الثانية، ثمّ ينفجر الهدوء الزائف في وجهنا في المعركة الثالثة.


تقويض "حماس" ليس شعاراً ثابتاً، لأن "حماس" تحمل أيديولوجيا إبادية ومن الواجب إبادتها. اقتراح رفع الحصار والاستثمار في القطاع مقابل نزع السلاح ليس جديداً، فقد عرض المرة تلو الأخرى من الأسرة الدولية ورفضته "حماس" المرة تلو الأخرى. الآن، بعد الدمار والخراب الذي تسببت فيه "حماس" في القطاع، نعود عملياً إلى تلك الاقتراحات، لكن المسألة الأساسية كانت وستبقى تجريد القطاع من السلاح. لا يمكن إبادة أيديولوجيا "حماس" الإجرامية، إنما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، بات تجريد القطاع من السلاح ضرورياً.


لا يبدو أنّ هناك مفرّاً من استئناف القتال لغرض تحقيق الهدف، لكن يجب أن يجري ذلك فقط بعد تحرير جميع المخطوفين وبعد أن يتبيّن أن المبادرة العربية تفتقر للأدوات التي تمكّنها من نزع سلاح "حماس". تبنت إسرائيل الكثير من المفاهيم المغلوطة المتعلّقة بالهدوء والتي كلّفتنا دماءً. لسنا بحاجة لمفاهيم مغلوطة جديدة.