نايف عازار

"مثلث مكة" يعيد خلط أوراق إسرائيل

3 دقائق للقراءة
يتّسم توقيت توقيع الاتفاقية بأهمية كبيرة (أ ف ب)

أحدثت "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي وُقّعت أخيرًا بين ثلاث قوى إقليمية وازنة، هي السعودية وتركيا وباكستان، زلزالًا جيوستراتيجيًا في منطقة يُعاد رسمها بالحديد والنار، ستطول ارتداداته حتمًا هواجس إسرائيل، كون الاتفاقية تعيد خلط أوراق موازين القوى الإقليمية.

تجد الدولة العبرية، التي لطالما تغنّت بأنها إحدى أعتى القوى العسكرية الإقليمية المتفوّقة تكنولوجيًا، نفسها الآن أمام معادلة جديدة. فالاتفاقية الثلاثية الأضلاع تتكوّن من باكستان، التي تمتلك جيشًا جرّارًا وخبرة عسكرية وقتالية كبيرة، فضلًا عن أنها دولة نووية تملك امتياز "الضغط على الزر النووي"، ومن تركيا، التي يُعدّ جيشها من أفضل جيوش المنطقة تدريبًا وتسليحًا وتطورًا وخبرة، وهي عضو في حلف "الناتو" منذ منتصف القرن الفائت، ومن السعودية، التي تتمتّع بثقل استراتيجي ومالي وديني، وتضطلع بأدوار سياسية في عدد من دول المنطقة.

إن كانت "اتفاقية مكة" لا تشكّل راهنًا تهديدًا عسكريًا داهمًا لتل أبيب، كونها ليست موجّهة مباشرة ضدّها، إلا أنها تقرع لها جرس إنذار على المديين المتوسط والبعيد، وتجعل "أرقها الاستراتيجي" مبرّرًا. فالعلاقة بين الدول الثلاث ارتقت من مستوى التنسيق السياسي إلى إطار دفاعي واضح المعالم، يرتكز على مبدأ التضافر العسكري للتصدّي لأي هجوم مسلّح قد ينطلق من أي مكان خارجي باتجاه إحداها، لأن الاتفاقية تنصّ صراحة على "اعتبار أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا".

يتّسم توقيت توقيع الاتفاقية بأهمية كبيرة، ويحمل دلالات متعدّدة. فالمنطقة لا تزال في مربّع حروب لم تنتهِ، أعادت ترتيب أولويات الأمن القومي لكلّ دولة. وإذا كانت الدول الثلاث قد بدأت، لأسباب عدّة، رحلة البحث عن مظلّة رديفة للمظلّة الأميركية، تقيها خصوصًا شرّ تحرّشات إيران غير المباشرة عبر أذرعها في المنطقة، وصولًا إلى التهديد النووي الذي تشهره طهران في الظاهر بوجه إسرائيل، وفي الباطن بوجه دول المنطقة، فإن الدولة اليهودية ترى في "اتفاقية مكة" مؤشرًا دامغًا إلى أن دول المنطقة أمست تستسيغ أدوات الردع الذاتية، لاعتبارها أن مظلّة "العم سام"، رغم كلفتها الباهظة، لم تعد وافية لضمان مصالحها وأمنها، خصوصًا بعدما انهالت عليها الصواريخ الباليستية الإيرانية في الحروب الأخيرة، من كلّ حدب وصوب.

علاوة على ذلك، فإنّ دول الاتفاقية الثلاث تكنّ عداءً مبطّنًا، على الأقل، للدولة العبرية، لما ارتكبته عبر التاريخ، وترتكبه راهنًا، من مجازر في الأراضي الفلسطينية. لذا، تتوجّس إسرائيل من التكتّل الجديد، الذي تؤازر شعوبه القضية الفلسطينية، كما أن الرياض تضع نصب عينيها قيام دولة فلسطينية، وتشترط ذلك قبل أن تصعد على متن قطار "التطبيع الإبراهيمي".

تبقى أنقرة أبرز من يؤرق صنّاع القرار في تل أبيب. فالدولة التركية ليست فقط قوّة عسكرية عاتية، بل تتمتّع بنفوذ كبير لدى عدد من دول جوارها، ولها امتداداتها الإقليمية، خصوصًا في سوريا والعراق، فضلًا عن أن توتّرًا كبيرًا بات يشوب العلاقة بين أنقرة وتل أبيب في السنوات الأخيرة. لذلك، تحرص إسرائيل على استبعاد تركيا من المشهد الأمني في قطاع غزة، ولا يطيب لها الحديث، مثلًا، عن مشاركة أي قوّات تركية في آلية التحقّق والمراقبة في جنوب لبنان.

يبقى أن الدولة العبرية ستنظر بحذر استراتيجي شديد إلى "اتفاقية مكة" وستعيد حتمًا حساباتها العسكرية والردعية في المستقبل، لأن الاتفاقية ستعيد لا محالة رسم موازين القوى في منطقة لطالما كانت تل أبيب تتفاخر بتسيّدها عسكريًا وأمنيًا.