جوزيف حبيب

مشورة رونالد لدونالد

لو كان ريغان حيّاً

5 دقائق للقراءة

لطالما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعجابه بالرئيس الـ 40 للولايات المتحدة "أيقونة المحافظين" رونالد ريغان، حتى أن ترامب أمر برفع صورة كبيرة للرئيس الجمهوري الراحل على مقربة من مكتبه داخل المكتب البيضوي هذا الشهر. لريغان مكانة خاصة عند ترامب وجمهوره، لكن طريقة مقاربة واشنطن الحالية لملف الغزو الروسي لأوكرانيا تطرح أكثر من علامة استفهام حول نهج ترامب ومدى تفريطه بـ "إرث ريغان" ونظرته للعالم، علماً أن ريغان كان قد وصف الاتحاد السوفياتي بـ "إمبراطورية الشرّ"، وساهمت إدارته، بعزم لا مثيل له، بتحرّر أوروبا الشرقية وانهيار الاتحاد السوفياتي ودفن حقبة "الحرب الباردة".


اقتبس ترامب وفريقه الكثير من الشعارات والأفكار التي كان ريغان نفسه قد طرحها واستخدمها، وعلى رأسها "لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً"، فضلاً عن "السلام من خلال القوّة" التي عمل ريغان على ترجمتها في سياساته الخارجية الحازمة خلال ولايتيه في ثمانينات القرن الماضي، فنجح بفرض هيبة "العم سام" على الساحة الدولية وعبّد الطريق أمام نظام عالمي جديد تفرّدت أميركا بزعامته. يطمح ترامب إلى دخول التاريخ من بابه العريض كـ "صانع السلام" في أوروبا والشرق الأوسط، إلّا أن للسلام العادل والمتين شروطه، فالعجلة في إبرام "الصفقات المفخّخة" تؤمّن "هدناً موَقتة" تُمهّد لحروب أخرى أكثر فظاعة.


لو كان ريغان حيّاً اليوم، لاستشاط غضباً من تصريحات ترامب تجاه روسيا وأوكرانيا وأوروبا، وتموضع أميركا "غير المألوف" في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى جانب أعدائها التاريخيين في مواجهة أقدم حلفائها في الذكرى الثالثة للغزو الروسي لأوكرانيا. قد تكون نوايا ترامب سليمة وغاياته محقّة، بيد أن أسلوبه الفظّ مع شركاء بلاده الاستراتيجيين والذي يُقابله "تودّد مقيت" تجاه قادة مستبدّين، يخلع عن واشنطن "عباءتها الحاضنة" ويُعرّيها أمام "العالم الحرّ". صحيح أن ترامب أعلن "قطيعة حاسمة" مع السياسة الخارجية الأميركية التقليدية "البالغة الحماقة"، وفق توصيفه، إلّا أن موقع الولايات المتحدة وحضورها مدينان لتلك السياسة بالذات، أقلّه منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.


سيُذكّر ريغان ترامب بالكلفة البشرية والمادية الباهظة التي تكبّدتها أميركا من جرّاء انعزالها قبل "الحرب الأولى" وما بين الحربَين العالميّتين، وبأن "المسافات البعيدة" لا تُبطِل التداعيات الجيوسياسية الكارثية لـ "انكفائنا القاتل"، مطالباً إيّاه بعدم التهاون في الدفاع عن حلفاء واشنطن، خصوصاً دول "الجناح الشرقي" لحلف "الناتو". سيتفهّم ريغان مساعي ترامب الحثيثة لإنهاء الحرب الشنيعة بين روسيا وأوكرانيا، وسيُشجّعه على استكمالها حتى خواتيمها السعيدة، لكنّه سيحضّه على فرض "سلام صلب" يضمن أمن أوكرانيا وأوروبا مستقبلاً. سيُحذّر ريغان ترامب من دهاء "القيصر" فلاديمير بوتين ومكره، وألاعيب "الحرب النفسية" التي يبرع الروس في توظيفها لتحسين شروطهم وتعزيز مكاسبهم. سيحسم ريغان موقفه قائلاً لترامب: "إمّا سلام عادل وراسخ، وإمّا مضاعفة دعم كييف لتحقيقه".


سيُدرك ريغان انتقال اهتمام "النسر الأصلع" إلى منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، حيث تشتدّ المنافسة مع "التنين الأصفر"، إلّا أنه سينصح ترامب بتأمين "القارة العجوز" وتحصينها قبل اتخاذ أي قرار بتقليص الوجود العسكري فيها، وسيُبارك جهوده بدفع الأوروبّيين إلى زيادة انفاقهم الدفاعي بوتيرة سريعة والمشاركة بفعالية بتقاسم أعباء "الناتو". كما سيُطالبه بتخفيف المواقف التي تزيد الشرخ وتُعمّقه على ضفتي الأطلسي، وحصر انتقاداته اللاذعة لحلفائه عبر قنوات التواصل الدبلوماسي، مع علمه مسبقاً أن ترامب يمتهن اعتماد هذا النمط غير الكلاسيكي في بعث "رسائله اللاسعة" لتحصيل تنازلات يبتغيها. سيجزم ريغان بأنّ واشنطن بحاجة إلى تجديد علاقاتها مع حلفائها وتعزيزها، بما يخدم المصالح المشتركة.


سيتعاطف ريغان مع مقاومة الأوكرانيين البطولية، وسيقول لترامب بعنفوان: "لا تتخلّ عن "مقاتلي الحرّية"، أبرم "اتفاق المعادن النادرة" مع الأوكرانيين وقدّم لهم في المقابل ضمانات أمنية أميركية موثوقة تُبعد عنهم شبح التهديد الروسي الدائم. الأوكرانيون ثوريّون أصحاب نخوة، حطّموا "القيود الشرقية" خلال "ثورة الكرامة" التي انتصرت في شباط من العام 2014، وفتحوا "أبواب الجحيم" أمام الغزاة يوم 24 شباط 2022، وما زالوا، "محتضنين الموت" بشجاعة قلّ نظيرها ليُعطوا المعمورة بأسرها دروساً في كيفية صون الأوطان، فحذارِ التلاعب بمصيرهم لأنهم المدافعون عن الحضارة الغربية في خطوط المواجهة الأمامية".


سيؤكّد ريغان لترامب أن "سقوط أوكرانيا سيعني اهتزاز وضعية أميركا على المسرح الدولي وتمريغ اسم ترامب في "وحول الذلّ"، بدل تدوينه في "سجلّ العظماء". اصنع السلام سيّدي الرئيس، ولكن ليكن سلاماً متأصّلاً يحفظ المصالح الحيوية لواشنطن وحلفائها الأوروبّيين، ولا سيّما الأوكرانيين وجيرانهم من دول مجموعة "بوخارست 9". أميركا ما كانت لتُصبح ما هي عليه اليوم، لولا تعاونها وتكاتفها وتكاملها مع مَن يُشاركها قيمها وثقافتها. احسب خطواتك بحذر، فالآباء المؤسّسون يُراقبون من عليائهم وينتظرون ما ستؤول إليه الأمور، ومعهم الأميركيون والأوروبّيون والحلفاء. ولا تنسَ الصين و"محور الشرّ"، إذ إنّ عيونهم شاخصة نحوكم ويترقّبون نتيجة مبادرتكم ليبنوا على الشيء مقتضاه. لا تخذلنا سيّدي الرئيس. كلّ التوفيق، وليحفظك الربّ وليُبارك الولايات المتحدة الأميركية". فهل يسترشد ترامب بمشورة ريغان؟