شهد التلفزيون العربي خلال أشهر رمضان المبارك في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، "ثورة الفوازير" السّاحرة، مع النجمتيْن المصريّتيْن شريهان ونيللي، وبروز مسلسلات غدت كلاسيكيّة خالدة مثل "ليالي الحلميّة" و "رأفت الهجّان" سمَّرتنا كلّ مساء أمام شاشاتنا. إلى أن اختفت الفوازير وأصبحت المُسلسلات الرّمضانيّة تتخطّى المئة كلّ موسم. لكن جاء النجاح الدرامي التّلفزيوني على حساب السّينما!
اعتمد موزّعو الأفلام السينمائيّة تدريجيّاً عبر السّنوات، خطّة قضت بعدم إطلاق أي فيلم حديث في الصالات العربيّة، ومن ضمنها اللّبنانيّة، خلال شهر رمضان، فصار الجمهور السّينمائي اللّبناني من آلاف المُشاهدين ضحيَّة أعراف غير دقيقة، تنفي صحَّتها الأرقام.
ففيلم "The Amazing Spider-Man" عام 2012 حقَّق خلال شهر الصّوم سنتذاك نجاحاً عربيّاً كبيراً. ولطالما كانت السينما بمثابة أمسية رمضانيّة جميلة، والإقبال عليها كان شديداً لأنّ الجمهور الرّاغب في السهر بعد الإفطار، إما يقصد السّينما أو المقاهي أو يبقى في منزله مُتابعاً أحدث المسلسلات. لذا قلناها ونُكرِّرها دوماً: للسّينما دَورٌ لا يُمكن إنكاره في جذب الجمهور إليها في كلّ زمن، ومن ضمنها الشّهر الكريم.
فيلم أخير قبل الصوم
لكن خلافاً للعادة مع اقتراب شهر رمضان، بدأ هذا الأسبوع في صالاتنا عرض فيلم "CLEANER"، نسخة 2025، بعد أن حمل العديد من الأفلام العنوان نفسه. تدور أحداث الفيلم في إحدى ناطحات السحاب الشّهيرة في لندن "One Canada Square"، حيث تقتحم مجموعة من الناشطين المتطرّفين حفلاً سنويّاً لشركة طاقة، ويأخذون 300 رهينة لفضح فساد الشركة. تتصاعد الأحداث عندما يقرّر أحد المتطرّفين تنفيذ عملية قتل جماعي لتوجيه رسالة سياسيّة. فيأتي دور البطلة، التي تؤدي شخصيّتها الممثلة Daisy Ridley نجمة أفلام "Star Wars"، وهي جنديّة سابقة تحوّلت إلى عاملة تنظيف نوافذ، لتجد نفسها مُعلّقة على ارتفاع 50 طابقاً خارج المبنى، وتتولى مهمَّة إنقاذ الرّهائن، بمن فيهم شقيقها الأصغر.
الفيلم فكرته مثيرة للاهتمام، حيث يمزج بين التوتّر العالي المُستوحى من أفلام مثل "Die Hard"، وبين بطلة هي امرأة قويّة تحمل ميزات الماضي العسكري، حيث قدَّمت Ridley أداءً متماسكاً لشخصية مرنة تجمع بين القوة البدنيّة والعمق العاطفي، خاصةً في لحظات مواجهتها للمخاطر من أجل عائلتها.
كما أنّ اختيار Martin Campbell، المعروف في أفلام الأكشن وخاصّةً "البونديّة" منها مثل "GoldenEye" و "Casino Royale"، يُضيف لمسة احترافية مُشوّقة لمشاهد "الأكشن" التي تُعد من أبرز نقاط القوة في الفيلم، اضافةً إلى المشاهد المُصوّرة على ارتفاعات شاهقة والمُنفّذة ببراعة!
فيلم Kitano إلى المنصّات
من جهة أخرى، بعد عرضه الأوَّل ضمن فعاليّات "مهرجان البندقيّة - فينيسيا" مُنتصف الصّيف الماضي، تُطلق مِنصّة "Prime Video" فيلم "Broken Rage" للمخرج الياباني الفذ Takeshi Kitano، الذي قدَّم عملاً سينمائيّاً فريداً يجمع فيه بين الجريمة والدراما والكوميديا بأسلوب غير تقليدي.
الفيلم من جزءَيْن: الأول يُقدّم قصّة جدّية تدور حول قاتل مأجور (يلعب Kitano دوره)، يجد نفسه محاصراً بين الشرطة وعصابة "الياكوزا"، في عالم الجريمة المُظلم. أما الجزء الثاني فيُعيد سرد القصة نفسها بنبرة كوميدية ساخرة بشكلٍ كامل، ما يجعله بمثابة محاكاة ذاتيّة للجزء الأول.
يبرز الفيلم بجرأته في تقديم تناقضٍ حاد بين الجديّة والعبثيّة، فالجزء الأول يتميَّز بأسلوب Kitano المُعتاد في أفلام "الياكوزا": تصوير جاف، حوارات مُقتضبة، وجوّ مشحون بالتوتّر، لكنه يبدو مُتعمّداً في بساطته، كما لو كان يمهّد للانفجار الكوميدي في النصف الثاني. هذا الانتقال المفاجئ قد يبدو مُحيّراً للبعض، لكنَّه في الوقت ذاته يعكُس عبقريّة المخرج في اللّعب بالتوقّعات وتحطيم الأنماط السّردية التّقليدية.
أمّا الكوميديا في الجزء الثاني، فتعتمد المُبالغة والسّخرية من كليشيهات أفلام الجريمة، وهي تحمل بصمة Kitano الواضحة التي تمزُج بين الفكاهة السّوداء والعنف المُجرّد. وسُرعان ما تتحوَّل شخصيّة المجرم البارد إلى صورة كاريكاتوريّة مُضحكة، ما يمنح الفيلم طابعاً ذاتياً يبدو كتأمّل من Kitano في مسيرته السّينمائية الطويلة.
في "Broken Rage" تجربة سينمائيّة غير تقليديّة تستحق المُشاهدة لمحبي Kitano وعُشّاق الأفلام التي تتحدّى الأعراف. إنه يتركك تضحك وتتساءل في آن واحد، ويُثبت أنّ "Kitano" ، حتى في سن الـ 78، لا يزال قادراً على الابتكار والاستمتاع بفنّه، ليأتي هذا العمل كرسالة حبّ لجمهوره وفي الوقت عينه نقداً لاذعاً لصناعة السّينما الحديثة.