الياس دمّر

"Michael" و "Obsession": السينما تتصدّر المشهد

4 دقائق للقراءة

في كلّ مرّة يخرج فيها من يُعلن، بثقة الواثقين وقِصر نظر المتعجّلين، أنّ السينما تحتضر، أو أنّ عصرها قد انتهى أمام زحف المنصّات الرقميّة، تأتي أفلام لا تكتفي بتكذيب هذه "النبوءات"، بل تعيد كتابة تاريخ شبّاك التذاكر نفسه. وما يحدث هذا العام مع فيلمَي "Michael" و "Obsession" ليس مجرّد نجاحَين تجاريَّين، بل حدثان تاريخيّان يبرهنان، مرّة أخرى، أنّ الشاشة الكبيرة لا تزال تمتلك سحرها الفريد، وأنّ الجمهور، مهما تبدّلت وسائل المشاهدة، لا يزال مستعدًا للعودة إلى قاعات السينما عندما يجد فيلمًا يستحقّ التجربة.

تجاوز فيلم "Michael"، السيرة السينمائيّة للنجم العالمي مايكل جاكسون، الأحد الماضي، حاجز المليار دولار عالميًّا، ليصبح أوّل فيلم سيرة ذاتيّة في تاريخ السينما يحقّق هذا الإنجاز. وتجاوز الرقمَين اللذَين سجّلهما سابقًا كلّ من "Bohemian Rhapsody" و "Oppenheimer"، اللذين كانا يُعدّان المعيار الذهبي لهذا النوع من الأفلام. ولم يكن هذا الإنجاز الوحيد، فقد أصبح أيضًا أوّل فيلم في تاريخ شركة "Lionsgate" يبلغ هذا الرقم، في انتصار استثنائي لاستوديو مستقلّ رفض كثيرون في هوليوود الرهان عليه أخيرًا. والأكثر إثارة أنّ المشروع كان قد عُرض على استوديوهات كبرى، لكنها أحجمت عن إنتاجه، معتبرة أنّ الجدل الذي أحاط بحياة مايكل جاكسون يجعله مغامرة غير محسوبة. غير أنّ الرهان على قوّة الحكاية، وسحر الشخصيّة، وشغف الجمهور بتجربة سينمائيّة كبرى، أثبت أنّ المخاطرة المدروسة قد تصنع التاريخ، وأنّ الأفلام التي تبدو صعبة التسويق قد تتحوّل إلى ظواهر ثقافيّة عندما تُقدَّم برؤية سينمائيّة حقيقيّة.

وجاء فيلم الرعب النفسي "Obsession" ليؤكّد أنّ المعجزات لا تحتاج إلى ميزانيّات فلكيّة. فالفيلم، الذي لم تتجاوز كلفة إنتاجه 750 ألف دولار، حقّق أكثر من 400 مليون دولار حول العالم، محطّمًا رقمًا قياسيًّا ظلّ صامدًا لأكثر من نصف قرن. إذ يعود الإنجاز السابق إلى عام 1973، مع فيلم "Enter the Dragon"، التحفة الخالدة التي رسّخت أسطورة بروس لي في السينما العالميّة. ولعقود طويلة، ظلّ ذلك الفيلم المثال الأبرز على أعظم عائد حقّقه فيلم لم تتجاوز ميزانيّته مليون دولار، قبل أن يأتي "Obsession" ليكتب فصلا جديدًا في تاريخ السينما المستقلّة، وليؤكّد أنّ الفكرة المبتكرة، والتنفيذ الذكي، والكلمة المتناقلة بين الجمهور، لا تزال قادرة على هزيمة الميزانيّات الضخمة وصناعة أرقام كانت تبدو عصيّة على الكسر.

والجامع بين الفيلمَين ليس النوع السينمائي، ولا الجمهور المستهدَف، ولا حتى حجم الإنتاج، بل الإيمان بأنّ السينما لا تزال قادرة على خلق الحدث. فالأوّل أعاد الاعتبار إلى الفيلم الجماهيري الضخم الذي يجذب المشاهدين إلى القاعات حول العالم، والثاني أعاد الاعتبار إلى الفيلم المستقلّ، مؤكّدًا أنّ الطريق إلى النجاح لا يمرّ دائمًا عبر الاستوديوهات العملاقة أو الميزانيّات المفتوحة.

لقد اعتاد البعض تفسير كلّ تراجع موقّت في مبيعات التذاكر على أنه إعلان وفاة للسينما. لكنّ الحقيقة أنّ السينما لم تمت يومًا. إنها تتغيّر، وتتكيّف، وتبحث عن أصوات جديدة وطرائق جديدة لسرد الحكايات. وما بين أوّل فيلم سيرة ذاتيّة يتجاوز المليار دولار، وفيلم مستقلّ كسر رقمًا قياسيًّا صمد منذ زمن بروس لي، تتأكد حقيقة قديمة تتجدّد باستمرار: الجمهور لا يهجر الشاشة الكبيرة، بل يهجر الأفلام التي لا تمنحه سببًا كافيًا للخروج من منزله.

ولعلّ الرسالة الأبلغ التي يبعثها هذان الإنجازان إلى هوليوود، وإلى صناعة السينما بأسرها، هي أنّ المستقبل لا يُصنع بالخوف ولا بالحسابات المحافظة، بل بالجرأة. فالسينما، منذ ولادتها، لم تتقدّم إلا عندما خاطر أحدهم بفكرة بدت مستحيلة... ثم خرج الجمهور ليمنحها الحياة!

لا يزال باستطاعتكم مشاهدة الفيلمَين ضمن بعض العروض المتبقيّة في صالات السينما اللبنانيّة.