د. جوسلين البستاني

مقاربة ترامب تتعارض مع سياسات واشنطن السابقة

خارقو القواعد يُحدّدون مسار التاريخ

5 دقائق للقراءة
ترامب يُريد إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا (رويترز)

التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نظيره الروسي سيرغي لافروف في الرياض الأسبوع الماضي، لإجراء مباحثات تهدف إلى وضع الأسس لعقد قمّة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. وقد اتُّفق على الرياض كخيار مُحايد، للتأكيد على دور الوسيط الدولي للسعودية، التي حافظت على موقف مُتّزن تجاه الحرب في أوكرانيا. والأمر لا يتعلّق فقط بالتفاوض حول أوكرانيا، بل سيمتدّ ليشمل الشرق الأوسط ومستقبل النظام العالمي الجديد، وإعادة تعريف التحالفات.

بطبيعة الحال، انهالت الانتقادات على فريق ترامب، الذي اتّهم بتقديم تنازلات كبرى، أبرزها استبعاد انضمام أوكرانيا إلى عضوية حلف «الناتو»، والتصريح بأن سعي كييف إلى استعادة كلّ أراضيها المفقودة ليس سوى وهم. غير أن الأميركيين ردّوا على هذه الانتقادات بالقول إنهم ببساطة يعترفون بالواقع. الواقع هو إقرار بفشل استراتيجية الاستنزاف بعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تُحقّق خلالها أوكرانيا الاختراقات العسكرية المطلوبة، رغم الدعم الغربي الكبير. مليون ونصف المليون بين قتيل وجريح ومفقود وأسير، معناه أن الكلفة البشرية باتت غير مُحتملة لكلا الطرفين، ومن دون أي تغيير جوهري في ساحة المعركة.

كما أن زيلينسكي لم يعُد ذلك القائد البارز الذي كان عليه في عام 2022، حين تمكّن بشجاعة من صدّ الهجوم على كييف. وربّما يكون أكبر فشل أخلاقي لزيلينسكي، هو إطالة أمد الحرب التي لن تبدو مختلفة بعد عام أو عامين على أرض الواقع، باستثناء وجود مقابر أكثر على كلا الجانبين. وعوده لم تتحقّق، وفي حين تعتمد أوكرانيا بشكل كبير على المساعدات المالية الضخمة التي تُقدّمها واشنطن، فهي تسعى إلى فرض سياستها. من وجهة نظر ترامب، هذه الحرب لا يمكن كسبها، وبالتالي، لا جدوى من تمويلها إلى ما لا نهاية، خصوصاً أنه لم يكن لأي إدارة أميركية نيّة حقيقية لتمكين أوكرانيا من استعادة القرم ودونباس، لأن ذلك كان يعني الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا.

لذلك، وفي اللحظات التاريخية الحرجة، يسعى القادة إلى كسر القواعد التقليدية عندما تُصبح غير قابلة للاستمرار، بهدف إحداث اضطراب تتبعه إعادة الهيكلة، وهو ما نشهده حالياً. فـ «الحرب الباردة» لم تنتهِ بسقوط الشيوعية، بل استمرّ التنافس بين روسيا والولايات المتحدة. أدرك ترامب أن أوكرانيا ساحة معركة التغيير، وأن ما يجري هو حرب بالوكالة بين واشنطن وموسكو، لكن الأخيرة ضعُفت ولم تعُد تُشكّل تهديداً كبيراً، فيما يُعاني الاتحاد الأوروبي من الانقسام.

أمّا الصين، فهي تواجه انكماشاً اقتصادياً وعزلة متزايدة، كما أنها أضعف مِمَّا يُعتقد، وعدم اقدامها على غزو تايوان حتى الآن، يعكس عجزها عن القيام بذلك. فسعي ترامب للوصول إلى موارد أوكرانيا من المعادن النادرة، هو جزء من استراتيجيّته لحصار الصين، التي تُعدّ أحد أبرز مصدّري هذه الموارد. وفقاً لهذا المنطق، يبدو العالم في وضع أكثر أماناً للولايات المتحدة، التي ستضمن حياد وأمن أوكرانيا، إذا ما حصلت على طلبها، وتأكّد الروس أن «الناتو» لن يضمّ كييف إليه. تجدر الإشارة إلى أن سياسة بايدن هي التي منعت التفاهم مع روسيا.

هذا لا يعني أن سعي ترامب إلى إنهاء الحرب لن يُحقّق العدالة، كما أشار البعض. لكن إذا كانت العدالة تكمُن في المحاسبة وإعطاء كلّ ذي صاحب حقّ حقّه، فكيف تُحدّد المسؤوليات؟ ومن يملك حقّ تحديدها؟ بالطبع، تحقيق العدالة أمر أساسي، لكن ماذا لو كانت أوكرانيا تتشارك المسؤولية مع واشنطن عن الحرب مع روسيا؟ لهذا السبب، لا بدّ من استعراض الوقائع التي أدّت إلى وصول الوضع إلى ما هو عليه.

بالفعل، بعد أن وعد الغرب غورباتشوف في شباط 1990 بأن «الناتو» لن يتحرّك بوصة واحدة شرقاً، عاد الحلف ليتوسّع عام 1999 حتى حدود أوكرانيا. كان المشروع الأميركي يهدف إلى محاصرة روسيا في البحر الأسود وحرمانها من الوصول إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وقد شكّلت أوكرانيا وجورجيا مفتاحَي هذا المشروع. لكن، ولضرورة الاختصار، سنلتزم بعام 2014، حين أطاح انقلاب مدعوم أميركياً، الحكومة الأوكرانية المنتخبة ديمقراطياً.

بدأت الاحتجاجات في كييف وأخذت منحى تصاعدياً. فتحوّلت إلى أعمال عنف امتدّت لاحقاً إلى المناطق التي يُسيطر عليها الانفصاليون، وارتفع عدد القتلى والجرحى، وصولاً إلى توقيع «اتفاقات مينسك»، التي نصّت على منح المناطق الناطقة بالروسية في شرق أوكرانيا حكماً ذاتياً، وهو ما أيّده مجلس الأمن الدولي بالاجماع. لكن هذه الاتفاقات لم تكن سوى خدعة لكسب الوقت، بينما كانت أوكرانيا تتسلّح استعداداً لمواجهة روسيا. ثمّ سمح زيلينسكي لجيشه بمواصلة الهجمات على شرق أوكرانيا، ما أدّى إلى مقتل المزيد من المدنيين، وذلك لسنوات متتالية، في انتهاك لـ «اتفاقات مينسك».

إذا نظرنا إلى مقاربة ترامب لحرب أوكرانيا، نجد أنها تتعارض بشكل واضح مع سياسات الإدارات الأميركية السابقة. فالخروج عن المألوف لطالما كان المُحرّك الحقيقي للتغيير. وهنا يمكننا استذكار تصريحاته حول بنما، وغرينلاند، وكندا، لفهم أسلوبه في التعامل مع القضايا الدولية: «سنغزو بنما»، فتمّ إلغاء صفقة الصين مع بنما. «يجب أن نشتري غرينلاند»، فسارعت الدنمارك إلى الاستثمار وإعادة التسلّح هناك. «سنجعل كندا الولاية الـ 51»، فردّ ترودو بإنفاق مليار دولار لحراسة الحدود. زيلينسكي يرفض صفقة المعادن، لكن في النهاية، سيعود إلى واشنطن اليوم لتوقيعها.

تصريحات ترامب ليست مجرّد استعراض، بل جزء من استراتيجية تسعى إلى تحقيق النتائج. قد يبدو أسلوبه غير تقليدي، لكنه يعتمد على كسر القواعد لإعادة ترتيب موازين القوى. فهو لا يجب أن يؤخذ حرفياً، بل على محمل الجدّ. لكن الأهمّ من كلّ ذلك، هو إنهاء سفك الدماء.