بين كلمة رئيس حزب "الكتائب" النائب سامي الجميل خلال جلسة الثقة في البرلمان، وبين فيديو متداول للنائب السابق ناصر قنديل، يكمن "الخوف" الواقف على طرفي نقيض. فالجميل يدعو إلى نبذ الخوف المتحكم بكل جماعة من الجماعات اللبنانية، وبالأخص "حزب الله" المتمسك بسلاحه وحكايته عن القداسة والشهادة والسلاح بمواجهة من يفترض أنهم شركاؤه في الوطن، ويحثه على إلقاء خوفه حول طاولة مصارحة ومسامحة لملاقاة الخائفين الآخرين في الوطن. في حين أن قنديل يدعو "الحزب" إلى التمسك برئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، على الرغم من قلة وفائه وانتهازيته ونكرانه للجميل، وذلك خوفاً من استحواذ رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع على الساحة المسيحية.
وبين الخوف ونبذه، منطق له بديهياته لدى كل طرف. والأقوى هو الأشد خوفاً، وليس الأضعف لأن خسائره محدودة إن دارت الأيام. والأقوى في المقام اللبناني "حزب الله"، أو هكذا كان بفعل ما خطط له ونفذه منذ نشأته، وبالتدريج السلس حيناً والعنيف أحياناً، ليتربع على عرش النفوذ محلياً وإقليمياً ويتباهى ويستعلي ويهدد.
لكن هذه السردية تغيرت. البعض يجد أنها زالت ويصعب إحياء رميمها، والبعض الأخر يتريث ويتحسب لفترة ركودها، ولانحنائها أمام العاصفة، وكأنها تقع في مقام متأرجح بين الكبوة والنكبة، وفي إقامة جبرية في المهادنة تمهيداً لقيامة جديدة متى تتوفر الظروف الملائمة، وانتظار اللحظة المناسبة لدى انقلاب الموازين.
وكيفما تبدلت الأحوال لا يزال الخوف هو المتحكم بالجماعات اللبنانية، يبرر ارتكابات كل جماعة لدى شعورها باعتلال في العقد الاجتماعي، فتنتفض على استضعافها أو استهدافها، أو تتمسك بفائض القوة لتحمي حصتها في السلطة وتضمن استمراريتها، وترتعب من أي ضعف طارئ مهما كان بسيطاً يمكن أن يطيح بها.
وانطلاقاً من هذا الخوف يسعى قادة ومسؤولو كل جماعة، إلى التجييش والعدوانية لدى انقطاع سبل السلطة والنفوذ، ليس بفعل الهزيمة العسكرية التي يمكن تحويلها انتصاراً، ولكن بفعل فقدانه القدرة على إخافة شركائه في الوطن.
لكن لا يمكن وبحجة الخوف، إدراج الأسباب التخفيفية كمبرر لانتهاك الدستور والقوانين والمؤسسات. وبالطبع ليس مسموحاً للجماعات الخائفة والمنكوبة والحزينة والجريحة، بالحصول على امتيازات بحجة مراعاتها.
هنا تنتهي الحجة، فالخوف ليس مبرراً للاعتداء على المصلحة الوطنية العليا، وبالتأكيد ليس مبرراً للمصالحة والمسامحة انطلاقاً من مقولة "عفا الله عما مضى"، فالمحاسبة يجب أن تسبق المصالحة والمسامحة لدى معالجة ذيول جرائم موصوفة إنسانية، كما هو المطلوب حيال وحشية الكيان الإسرائيلي بحجة الدفاع عن النفس واغتصابه الأرض في فلسطين وسوريا ولبنان، وكما فعل النظام الأسدي ومعه محور الممانعة، رأساً وأذرع، حيال الشعبين السوري واللبناني، ومع الاغتيالات وانتهاك الدولة ونهبها وإفلاسها.
إنه الخوف. الأمر صحيح، حالياً، لكنه ليس مبرراً لعدم محاسبة "الخائفين المجرمين" ومنحهم عفواً عاماً على ما ارتكبته أيديهم.