يدفع وباء كورونا الحياة اليوميّة، أكثر فأكثر، في اتجاه الواقع الافتراضي، تكريساً للتباعد الاجتماعي والابتعاد عن التجمّعات وأثرها في انتشار الوباء. هذا لا يعني أنّ الواقع الافتراضي لم يكن موجوداً بقوّة من قبل، وأنّ التواصل بين البشر لم يكن متأثّراً به بنسبة كبيرة.
لقد ركّز عدد كبير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع على هذه الظاهرة التي ازدهرت مع شيوع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وتوافر الأجهزة الإلكترونية والوسائط المتعدّدة التي تتيح استعمالها على المستوى الكوني. وكان الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار أحد أكثر الذين التفتوا إلى هذا الموضوع وأفردوا له كتباً ودراسات.
جان بودريار أحد الذين طبعوا عصرهم بآرائه ومواقفه وبكتبه التي تناولت ظواهر العالم المعاصر وتحوّلاته، ومن عناوينها "مجتمع الاستهلاك"، "أميركا" و"الجريمة المكتملة". لقد ركّز على نزعة الاستهلاك وتفريغ العالم من الواقع، وهو من أوائل الذين تحدّثوا عن "اختفاء العالم الواقعي". فالفرد، بالنسبة إليه، لم يعد يستهلك تلبيةً لاحتياجاته الأساسية وإنما لإشباع الرغبات التي تثيرها في نفسه دواعي التسويق، وللتمايز عن غيره. يصبح فعل التسوُّق مرادفاً للبحث عن السعادة، بل هو "الأخلاق الجديدة وسلّم القيم الجديد"، بحسب تعبيره، ممّا يجعل الإنسان مغترباً وغريباً حتى عن نفسه. حالة الاغتراب التي يعيشها الإنسان المعاصر صورة لمنفى مُعَولَم، أي أنّ كلّ مكان في العالم يتحوّل إلى منفى، بما في ذلك مكان الولادة!
مفهوم الاغتراب والغربة وتغيُّر صورة الواقع ودور وسائل الإعلام في هذا التغيُّر، والدعاية والاستهلاك، من المواضيع التي عمّقها بودريار في نتاجه وعاد إليها مراراً طوال حياته. وهي مفاهيم تركت أثرها ولا تزال في أوساط المثقفين والمفكّرين والكتّاب والفنانين، وتحضر اليوم في النرجسيّة التي تطالعنا بصورة جليّة في الفيسبوك حيث يعيش البعض حياتهم الشخصية أكثر ممّا يعيشونها في الواقع. أمّا الإعلام، والإعلام المرئي بالأخصّ، فهو لا يعرّي الواقع ويكشفه بل يمسخ حقيقته الفعليّة طالما أنّ كلّ شيء فيه يصبح مشهد إلهاء وتسلية بما في ذلك الحروب والمآسي، كما كانت الحال مع حرب الخليج وموت الأميرة ديانا وانهيار مبنيَي مركز التجارة العالمي في نيويورك.
لقد تناول بودريار بعض أكثر المواضيع إثارة للجدل في زمننا الراهن. وكان له حيال أحداث الحادي عشر من أيلول نظرة نقدية شكّلت مثار جدل واسع في الغرب. فهو وصفَ "مركز التجارة العالمي"، منذ افتتاحه في السبعينات من القرن الماضي، بأنه "شعار الرأسمالية الجديدة"، واستبق إمكانية حصول أزمة داخل هذا النسق الرأسمالي الجديد قائلاً: "إنّ التحدي الوحيد الممكن لهيمنته وسيطرته المطلَقة كامن في تكوينه، وفي عدم تمكّنه، في لحظة ما، من مجابهة التحديات المفروضة عليه إلاّ عبر انهياره الذاتي".
في بحث بعنوان: "روح الإرهاب"، أوضح بودريار الفرق بين الأحداث العالمية التي يبقى معناها داخل حدود ظرفيتها التاريخية كالحروب أو الأحداث الاجتماعية، وبين الأحداث التي تنطوي على دلالات رمزية كبيرة تترك أثرها على العالم أجمع. يقول في هذا الصدد إنّ "ضرب القوة العالمية العظمى المتمثّلة في مركز التجارة العالمي، إنما يكمن أيضاً في هشاشة بنيانه، لأنه، بقوّته الفائقة التي لا تُحتَمل، غذّى، ومن دون علم منه، هذا العنف المتفشّي في العالم. إنه القوة حين تبلغ حدودها القصوى، وببلوغها هذه الدرجة إنّما تثير الإرادة في تدميرها". ويضيف: "هم الذين نفّذوا الحدث، لكننا نحن من أراده وإذا لم نأخذ في الاعتبار هذه الحقيقة، فإنّ الحدث يفقد أبعاده الرمزية كلّها، ويصبح مجرّد حدث عادي يمكن اختزاله بأنّه فعل مجموعة من المتطرّفين وينتهي الأمر عند هذا الحدّ. لكننا نعرف أنّ الأمور ليست بهذه البساطة، وأنّ ما حدث يتكئ على تواطؤ دفين يجد جذوره في عوامل كثيرة متنوّعة. إنه صدى لرفض كلّ قوّة نهائية مُطلقة، وإنّ مبنيَي مركز التجارة العالمي كانا التجسيد لهذه القوة المطلَقَة". هذا الموقف أثار الكثير من ردود الفعل، وثمّة من تصدّى له واعتبر أنه ينطوي على تبرير لما حدث.
بإيلائه ظواهر حياتنا اليوميّة اهتماماً كبيراً، وفي مقدّمها فصل العالم عن الواقع، حطّمَ جان بودريار الكثير من الأفكار السائدة، كما طرح أسئلة جوهريّة يتوقّف على الإجابة عنها مدى هيمنة الصورة الافتراضيّة التي تجعلنا نعيش ما نفترض أنّه الحياة لا الحياة نفسها.