د. جوسلين البستاني

إذا وجدت نفسك في حفرة، توقف عن الحفر

3 دقائق للقراءة

على كل من نصح الرئيس الأوكراني زيلينسكي بالقدوم إلى المكتب البيضوي وتحدّي الرئيس الأميركي ترامب علنًا، أن يبحث عن وظيفة أخرى. ما حدث بين الرئيسين يبدو غير مألوف، ولكن فقط من حيث إنه جرى على الملأ. فالمحادثات الصعبة بين قادة العالم ليست نادرة، لكنها لا تتمّ أمام وسائل الإعلام. فلماذا اعتقد زيلينسكي أنه قادر على لوي ذراع رئيس الولايات المتحدة الأميركية أمام الكاميرات؟


لماذا أظهر عدم الاحترام، سواء في مظهره أو في لغة جسده، لرئيسٍ حاول التفاوض على اتفاق سلام؟ هل لأنه لم يجد من يجابهه بالحقيقة، أكان ذلك في أوروبا أو في أمريكا خلال إدارة بايدن؟ وهل كان دفاع الغرب عن أوكرانيا حقاً من أجل صون الديمقراطية؟ هذا ما يدّعيه الأوروبيون، الذين لن يتخلّوا عن هذا الخطاب، لأن ذلك يعني الإعتراف بعدم كفاءة زيلينسكي. والحقيقة أن أوروبا لا تريد ضمّ أوكرانيا إلى الناتو، في حين يؤكد ترامب لزيلينسكي أن أوكرانيا ستكون أفضل تسليحاً من أيٍّ من أعضاء الناتو الـ 32 الآخرين.


ربما فضّل زيلينسكي مجاراة الجناح المناهض لترامب داخل أوروبا وأميركا، في الوقت الذي كان فيه الرئيس الأميركي يُلقي له طوق نجاة متمثّلاً بصفقة المعادن. تلك التي كان من المفترض توقيعها لربط أميركا اقتصادياً بأوكرانيا، وهو ما كان سيشكّل ضماناً أمنياً بحدّ ذاته، خاصة وأنه أقل تهديداً لبوتين. إلا أنه، ووفقاً لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وخلال كل مشاركة للمفاوضين الأمريكيين مع الأوكرانيين خلال الأيام العشرة التي سبقت لقاء ترامب بزيلينسكي، ظهرت تعقيدات حالت دون تجاوز هذه النقطة.


أما ردّة الفعل في الداخل الأميركي، فتجلّت بارتفاع مؤشر "داو جونز" 600 نقطة، وارتفاع مؤشر "ناسداك" بنسبة كبيرة أيضًا، الأمر الذي يُعتبر دعمًا لموقف الرئيس الأميركي.


من جهة أخرى، تعرّض ترامب لانتقادات لاذعة بسبب حديثه مع بوتين، الذي وُصف بأنه "ديكتاتور عنيف وفاسد". لذلك، لا بدّ من التذكير بأن الولايات المتحدة تحالفت رسميًا مع الإتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً مع ستالين. وبالمقارنة، قد يبدو بوتين هاوياً إذا ما قورن بستالين، الذي قتل 20 مليوناً من شعبه، وهو أكبر عدد من الضحايا في أوروبا منذ معركة ستالينغراد (1942-1943).


في المقابل، أجرى ريتشارد نيكسون محادثات مع ماو تسي تونغ، الذي قُدّر عدد ضحاياه بـ 70 مليون شخص. إنها السياسة الواقعية التي تقتضيها مصلحة الدول، خاصة عندما يتعلّق الأمر بتخفيض فرص الحرب.


أما وصف ترامب لزيلينسكي بالديكتاتور، فسببه إقدام الأخير على إلغاء أحزاب المعارضة، وقمع الصحافة، وتعليق عناصر المثول أمام القضاء، وتعطيل الإنتخابات، وتجنيد الفتيان للقتال في الصفوف الأمامية. لكن ردّ المعارضة اعتبر أن حتى تشرشل لم يُجرِ انتخابات لمدة 10 سنوات. غير أن هذا الطرح يتجاهل أن أول ما فعله تشرشل عام 1940 هو تشكيل حكومة ائتلافية، ضمّت أعداءه ومنافسيه وحلفاءه في وزارة الحرب.


من المتوقع أن يحضر زيلينسكي قمة القادة الأوروبيين في المملكة المتحدة يوم الأحد، لمناقشة دعم كييف. لكن رغم أن القادة الأوروبيين قد يكونون أقل عداءً له مقارنة بنظرائهم الأمريكيين، حذّر ياروسلاف جيليزنياك، عضو البرلمان الأوكراني، من الإفراط في التفاؤل، قائلاً: "إذا كنتم تعتقدون أن الوضع سيتحسن بطريقة ما بأعجوبة اليوم... فلا تعوّلوا على ذلك".


تصريحات ياروسلاف جيليزنياك تعكس وعياً متزايداً داخل أوكرانيا بأن الرهان على الدعم الغربي غير المشروط بدأ يتراجع.