ألين الحاج

دمار المنزل الوالديّ أفقدها جزءاً من هويّتها

سميّة بعلبكي: مبادرة "متحف سرسق" بلسمت جراحنا

5 دقائق للقراءة

من عبق تراب بلدة العديسة، على تخوم الجنوب المنهك بالحروب، وُلِد حلم الفنان التشكيلي الراحل عبد الحميد بعلبكي (1940 - 2013)، وتبلوَر مع كل مدماك وضعه في بناء منزله الجنوبي. بعد رحيله ظل الحلم ينمو، لكنّ الحرب الأخيرة باغتته وحوّلت الصرح الذي بناه حجراً حجراً إلى أنقاض. لكن، من قلب الأشرفية، التقط حلم بعلبكي أنفاسه، حيث خصّص له "متحف سرسق" جناحاً لعرض أعماله، والمفارقة القاسية أنّ هذا المتحف نفسه نهض بدوره مجدّداً من أنقاضه بعد انفجار مرفأ بيروت.



"كان يحلم بتحويل منزله إلى متحف دائم للفن والثقافة، أراده أن يكون منارة وسط العزلة على الحدود، رغم كلّ التشكيك الذي واجهه بنجاح المشروع"، تقول كريمة الفنان التشكيلي، المطربة سميّة بعلبكي. وتضيف لـ "نداء الوطن" أنّ والدها "كان يُجهّز طابقاً كاملاً لتحقيق ذلك لكنه رحل قبل أن ينهيه".

بعد رحيل الأب، واصل الأبناء استكمال حلمه، تقول الإبنة، لكنها تعترف بأسى أنه "لم يصمد أمام هول الحروب، وأثبت الواقع القاسي أنّ تشكيك البعض بنجاحه كان محقّاً".


أنقاض حلم

في الواقع، كانت العديسة من أولى القرى التي تعرّضت للحصار والتهجير والتدمير الممنهج. تروي بعلبكي بمرارة أنها حين عادت أخيراً إلى المنزل وجدته قد تحوّل إلى كومة أنقاض، "المكتبة الضخمة التي كانت تضم أكثر من 1500 كتاب، اختفت تحت الركام، مشغل والدي الذي كان يضجّ بالحياة والفن تحول إلى رماد، التماثيل التي صنعها بيديه تحطّمت، وكل اللوحات التي حملت تفاصيل روحه ذهبت مع الريح. حتى أرشيفه التصويري، الذي وثّق سنوات دراسته التصوير في فرنسا، احترق بالكامل، وأقل ما يُقال في ما حدث إنه نكبة".

لعلّ المعجزة الصغيرة وسط الخراب، تمثّلت، بحسب الإبنة الفنانة، في انتشال العائلة لوحتين للوالد الفنان، لم يلحق بهما سوى ضرر بسيط، لكونهما كانتا في طابق سفلي تحت الأرض، إلى جانب عدد قليل من الكتب وتمثال واحد للفنان التشكيلي، وتضيف أنّ العائلة شعرت بالراحة عند تأكدها أن ضريح الوالدَين قرب المنزل لم يتضرّر.

أما بعد المصاب الكبير، فتؤكد بعلبكي، أنها وإخوتها، متمسّكون بحلم والدهم "ولدينا النية لإعادة بناء المنزل". ثم تستطرد لتطرح سؤالاً واقعياً "لكن كيف؟ هذا المشروع استغرق أربعين عاماً ليبنيه والدي، قرشاً قرشاً، من دون أي مساعدة خارجية، بل فقط من راتبه كأستاذ جامعي. لقد كان البيت نتاج الصبر والجهد والتعب. بالتالي، إعادة إعماره اليوم تحتاج إلى إمكانات ضخمة، وهو أمر يبدو بعيداً من متناولنا". 


وتتوقف للحظة، قبل أن تضيف بصوت يشوبه الحزن "ربما من حسن الحظ أنّ والدي لم يكن على قيد الحياة ليرى حلمه يُدمَّر بهذه الطريقة. هذه الفكرة، رغم قسوتها، تمنحني بعض السكينة". 


ليست النهاية

في المقلب الآخر من لبنان، ووسط المرارة، جاء "متحف سرسق" بمبادرته "ليبلسم جراحنا العميقة"، تقول سميّة بعلبكي. تضيف أنّ "المعرض الذي خصّص جناحاً لأعمال والدنا، أعاد لنا بعض الكرامة، ومنحنا إحساساً بأننا لم نخسر كل شيء". وعبّرت عن شكرها لإدارة المتحف، كاشفةً أنّ الأخيرة تواصلت مع عدد من مقتني أعمال والدها، مثل "جداريّة الحرب" التي تملكها "مجموعة سرادار"، وأخرى لدى "مجموعة دلّول"، إضافةً لما تملكه العائلة من أعمال الفنان الراحل والقطع المحدودة التي تم إنقاذها.

وتشدّد بعلبكي على أنّ المعرض، الذي افتُتح في27 شباط الماضي ويستمر حتى 28 أيلول المقبل، "ليس مجرّد مساحة لعرض أعمال والدي عبد الحميد بعلبكي، بل هو إحياء لروحه وإرثه الفني. فهو يضمّ جزءاً كبيراً من أعماله، من بداياته حتى آخر لوحة رسمها، كما يسلّط الضوء على مسيرته ومحطّات من حياته الشخصية والبدايات التي شكّلت مسيرته". 


إلى متى ندفع الثمن؟

بعلبكي تكشف أيضاً عن خسارتها الشخصية في منزل العائلة، فقد "كان هناك مكان في المنزل هو الأكثر قرباً إلى روحي، غرفة الموسيقى، التي صُمّمت كأنها مسرح صغير خاص بي. فيها كنت أمارس الموسيقى بحرية، أتمرّن، أخلق عالمي الفني. خسرت هذه الغرفة تماماً، وخسرت معها آلاتي الموسيقية، وأعوادي. وفقدت أرشيفي الشخصي، كتاباتي، التسجيلات، الأشرطة وحتى أزياء المسرح التي ارتديتها خلال إطلالاتي. لم يتبقَّ سوى ما كنت قد احتفظت به في بيروت خلال السنتين الأخيرتين. كان ذلك شعوراً يشبه فقدان جزء من هويتي."


لكن رغم كل شيء، عادت سميّة بعلبكي تتردّد باستمرار إلى بلدتها وأرضها، كأنها تبحث عن جزء من نفسها بين الركام، عن الذكريات التي لا يمكن أن تُمحى، وعن صدى الموسيقى التي كانت تملأ المكان يوماً ما. وختمت حديثها، بصرخة من القلب "كفى... إلى متى هذا الدمار؟ لماذا تستمرّ هذه النكبة؟ أليس من حقّ أهل الجنوب العيش بسلام بعد عقود من المعاناة والموت؟ نعرف أنّ الجغرافيا لم تكن عادلة، لكن هل سنبقى ندفع الثمن إلى الأبد؟"



عودة الرغبة والشغف



كشفت المطربة سميّة بعلبكي في حديثها مع "نداء الوطن" عن عودتها إلى الساحة الفنية بعد فترة صعبة، "قبل الحرب بأيام، كنت قد انتهيت من تصوير كليب جديد، لكنّ الظروف التي مرّت والحرب الأخيرة جعلتني أُرجئ طرحه مراراً. والآن، أصدرتُ أغنية جديدة عبر قناتي على "يوتيوب"، وهي تعريب للأغنية الفرنسية "Avec le temps"، وهناك مجموعة أعمال جديدة ستصدر قريباً، ونحضّر لحفلَين كبيرَين أحدهما في "كازينو لبنان" مع شقيقي المايسترو لبنان بعلبكي".

وتضيف أنّ العودة إلى الغناء ليست مجرد خطوة مهنية، "بالنسبة لي، أنا أستعيد نفسي من جديد، رغبتي بالموسيقى، شغفي بالغناء، لأنّ المرحلة السابقة كانت قاسيةً جدّاً على الصعيد النفسي. فقدان المنزل لم يكن مجرّد خسارة مادية، بل كان ضربة عميقة لأنّ هذا المكان كان يعني لي الكثير."






المطربة سميّة بعلبكي




الفنان التشكيلي الراحل عبد الحميد بعلبكي



الفنان التشكيلي الراحل عبد الحميد بعلبكي