يحتضن غاليري "The Art District" معرضًا للفن التشكيلي عنوانه "أصداء السلام"، انطلق في شهر آذار الماضي ويستمرّ حتى الأول من أيار المقبل، جامعًا بين جدرانه تجارب فنية متنوّعة لعدد من أبرز الفنانين التشكيليين، إذ يشارك فيه كلٌّ من النحّات بديع جحجاح، والرسّامة رنا بستاني، إلى جانب الفنانين علي شمس الدين، جمال علية، وأنطوان مطر، وسواهم، في تظاهرة فنية تسعى إلى استكشاف مفهوم السلام من زوايا بصرية متعددة، تعكس تباين الأساليب وغنى الرؤى ضمن إطار إبداعي جامع.
تسمية واقعيّة
منظم المعرض وأحد المشاركين فيه المصوّر الفوتوغرافي ماهر عطّار، يقول لـ "نداء الوطن" إن اختيار اسم المعرض (أصداء السلام) جاء عفويًا، نابعًا من إحساس داخليّ بضرورة الدعوة إلى السلام. والمفارقة، كما يوضح، أن هذا العنوان لم يكن مرتبطًا بالظروف الراهنة التي يعيشها البلد، إلا أن اندلاع الحرب في الثاني من آذار الماضي، عشية افتتاح المعرض الذي كان مقرَّرًا في 3 آذار 2026، أضفى على تسميته بُعدًا أكثر عمقًا وواقعية.
مشاركة عطّار في المعرض، يقدّم من خلالها مجموعة من الأعمال الفوتوغرافية تتصدّرها صورة "الأفق اللامتناهي"، التي تتحوّل، بحسب وصفه، إلى مساحة صامتة للسلام، حيث تذوب الأجساد في الضوء والمسافة، في تذكير شاعريّ بأن خلف كل رحلة وظلّ، أفقًا يتسع دائمًا للأمل. ويشير عطّار إلى أنّ مدّة المعرض مُدِّدَت بسبب الظروف الأمنية الراهنة، لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الزوار لارتياده ضمن إطار زمنيّ غير قصير يتناسب مع الأوضاع الملائمة والمريحة بالنسبة لهم.
"الدرويش" رمزًا
في هذا المعرض، يقدّم النحّات والفنان التشكيليّ السوريّ بديع جحجاح مجموعة من منحوتات "الدرويش" التي اشتهر بها، والتي تضيف بعدًا روحيًا واضحًا إلى المعرض. يعتبر جحجاح في حديثه مع "نداء الوطن" أنّ "الدرويش" لا يظهر هنا كعنصر بصريّ عابر، بل كرمز إنساني يحمل رؤية وجوديّة. إذ يقدّمه كإنسان ممتلئ بالرضا والامتنان، يدور في انسجام مع حركة الكون، مدركًا هشاشته وقيمته في آنٍ معًا. ومن خلال هذا الطرح، يتحوّل "الدرويش" إلى صورة تعبّر عن الفرد والجماعة، وعن عمق الروح الشرقية بما تحمله من حسّ إنسانيّ وجماليّ.
وفي سياق اسم المعرض "أصداء السلام"، يتوسّع هذا الرمز ليعبّر عن التلاقي بين تجارب الفنانين، في حالة من التناغم تشبه دوران "الدرويش" نفسه. هنا، يبدو الإنسان كأنه يسعى، عبر الحب والجمال، إلى نشر السلام وإعادة صياغة علاقته بالعالم.
على المستوى الفني، يرى جحجاح أن النحت يُقدِّم ما لا يمكن للّوحة تحقيقه، إذ يمنح العمل بُعدًا ثالثًا يجعل الفراغ جزءًا أساسيًا منه. لذلك، لا يكتفي المتلقي بالمُشاهدة، بل يُدعى إلى التحرّك حول المنحوتة والتفاعل معها. ومن خلال هذه التجربة، يطرح الفنان فكرة أن الحقيقة متعدّدة بحسب زاوية النظر إليها، ولكلّ رؤية خصوصيتها.
أما منحوتة "الدرويش" البرونزية، فتعكس من جهتها مسارًا يبدأ من الطين ويصل إلى المعدن، في إشارة إلى التحوّل والتشكّل ضمن تجربة حسيّة تدعو المتلقي إلى الاقتراب من العمل والتفاعل معه. وعلى صعيد الهوية، تتشكّل تجربة بديع جحجاح بين سوريا ولبنان، حيث تتحوّل هذه الازدواجيّة إلى مساحة انفتاح تتجاوز الحدود. فالفن بالنسبة إليه لغة إنسانية جامعة، يسعى من خلالها إلى التعبير عن قيَم المحبة والسلام، وإعادة إبراز البُعد الإنساني للشرق في مواجهة التغيّرات المعاصرة.
ألوان وشعور
للفنانة التشكيليّة رنا بستاني مشاركة مميّزة في معرض "أصداء السلام"، من خلال رسومات تحتلّ الألوان فيها موقعًا محوريًا. تقول بستاني لـ "نداء الوطن" إنها لا تتعامل معها كعنصر جماليّ فحسب، بل كلغةٍ قائمة بذاتها، تنبض بالمعنى والطاقة. اختيارها للألوان، كما تقول، يأتي في الغالب حدسيًّا مرتبطًا بالحالة الشعورية التي تعيشها أثناء العمل، حيث يحمل كلّ لون دلالته الخاصة: فالأزرق يفيض بالهدوء والعمق، فيما يعكس الأصفر الأمل والنور. وفي كثير من الأحيان، تترك للألوان حريّة قيادتها، لتتحوّل اللوحة إلى حوار داخليّ حيّ، يتشكّل بين وعيها وانسياب اللّون.
هذه الديناميكيّة اللونيّة تنعكس بوضوح في مقاربة بستاني لمفهوم "أصداء السلام" الذي لا تراه حالة جامدة، بل إحساسًا متحرِّكًا يتجلّى في التوازن الدقيق بين الفوضى والانسجام عبر خطوط انسيابيّة وتدرّجات نابضة تسعى إلى التعبير عن السلام بوصفه قدرة على تحويل التوتر إلى طاقة إيجابية، فتغدو اللوحة مساحة تنفّس تمنح المتلقي شعورًا بالراحة رغم كثافة التعبير البصريّ.
أما في ما يتعلّق بمضامين أعمالها، فهي تنطلق من تجربتها الشخصية ومشاعرها الذاتية، لكن اللوحة سرعان ما تتجاوز حدود الفرد لتلامس وجدانًا أوسع. إذ تحرص على ترك مساحة للتأويل، تسمح لكلّ متلقٍ بأن يرى انعكاسًا لذاته داخل العمل، لتتحوّل اللوحة إلى مرآة جماعيّة تتقاطع فيها التجارب الإنسانية. وبالنسبة لتأثير الحروب، فقد شكّل الأمر بُعدًا عميقًا في رؤيتها للفن، خصوصًا في السياق اللبناني، حيث يغدو الإبداع ضرورة لا ترفًا، فهي تؤمن بأنّ الفن شكل من أشكال المقاومة، ليس فقط بشكل مباشر بل أيضًا عبر الجمال وحفظ الأمل وخلق مساحات بديلة للحياة. وفي الوقت عينه، تواصل تطوير تجربتها من خلال العمل على سلسلة جديدة تستكشف العلاقة بين الذاكرة واللون، إلى جانب مشروع تعاونيّ مع فنانين آخرين، مع سعيها لإدخال مواد وتقنيات جديدة توسّع من لغتها الفنية.
إذًا، بين منحوتة تدعو إلى الدَّوران ولوحة تنبض بالألوان وصورة تفتح أفقًا للأمل، يتجلّى السلام كحالة داخليّة يُعيد كل فنان صياغتها بطريقته الخاصة. هكذا، في "أصداء السلام"، لا يكتفي الفن بأن يُعرَض بل يتحوّل إلى مساحة حيّة للتأمُّل واللقاء، حيث تتقاطع التجارب وتتوحّد الرؤى رغم اختلاف الأساليب. وفي زمنٍ مثقل بالحرب، يُثبت هذا المعرض المقام في "The Art District" (شارع غورو - الجميزة، بين الساعة 11 صباحًا و 6 مساءً)، أن الفن لا يغيّر الواقع فحسب بل يمنح الإنسان القدرة على احتماله، ويذكّره بأن الجمال مهما تراجع يبقى طريقًا ممكنًا نحو النور.


