هشام بو ناصيف

لماذا أتعاطف مع أوكرانيا

4 دقائق للقراءة

قالها فلاديمير بوتين أكثر من مرّة: أوكرانيا ليست بلداً. قالها حافظ الأسد عن لبنان وسوريا: نحن شعب واحد بدولتين – ما عنى عمليّاً أنّ لبنان لزوم ما لا يلزم.


بحالة أوكرانيا تجاه روسيا كما بحالة لبنان تجاه سوريا، نحن أمام دولة صغيرة تنفي دولة مجاورة أكبر منها حقّها بالوجود، وتجتاحها لاستعادة ما تراه محافظة سليبة.


لهذا أتعاطف مع أوكرانيا كلبناني. في مكان شعوري ما، تختلط عندي صورة روسيا بسوريا، وصورة بوتين بالأسد.  



قبل أيّام، أهان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالبيت الأبيض.


لفتني خصوصاً بالمواجهة مشهد دبلوماسيّة أوكرانيّة بدت على حافّة البكاء بينما كان ترامب يوبّخ رئيس بلادها.


اختصر المشهد أكثر ما أرفضه بالعلاقات السياسيّة، وبعلاقات البشر ببعضهم، عنيت تكالب القوي على الضعيف.


بهذه الحالة، معادلة قوي/ ضعيف هي ثنائيّة دولة عظمى كأميركا بمواجهة أوكرانيا.


بحالات أخرى، تضع نفس المعادلة غالبيّة دينيّة بمواجهة أقليّة، أو رجل بمواجهة امرأة، أو غير مثليّين بمواجهة مثليّين.


أفهم طبعاً أنّ هذا ليس جديداً، وأنّ الأقوياء تكالبوا دوماً على الضعفاء. أفهم أيضاً أنّ الضعفاء السابقين غالباً ما ينساقون لنفس البطش الذي عانوا منه إذا تغيّرت موازين القوى – فكّر بـ "إنجازات" الحكم العلوي بسوريا بين 1963 و 2024، أو الشيعي بلبنان بين 1990 و 2024. ولكنّ كلّ ذلك يبقى مؤسفاً.  



أبعد من المعطيين الشعوري، والأخلاقي، أنحاز لأوكرانيا قيميّاً. بعد أن جوّع جوزف ستالين فلّاحين قضى منهم الملايين بثلاثينيّات القرن الماضي بأوكرانيا السوفياتيّة، وبعد أن حكمها الشيوعيّون بقبضة فولاذيّة، سلكت أوكرانيا تدريجيّاً طريق التحوّل الديمقراطي بعد الحرب الباردة. الانتفاضة الشعبيّة الأوكرانيّة الكبرى عام 2014 عبّرت عن انحياز واسع بالبلاد للاتّحاد الأوروبي، كقيم، وعلاقات، ونظام.


ثمّ صار زيلينسكي رئيساً عام 2019 بانتخابات حرّة تفتقر لها روسيا.


بهذا يكون زيلينسكي نقيض بوتين لجهة أنّ الرئيس الأوكراني هو نتاج تقدّم بلاده صوب الديمقراطيّة، في حين أنّ بوتين نتاج انتكاستها بروسيا. ثمّ أنّ الديمقراطيّات الليبراليّة الغربيّة دعمت زيلينسكي، أقلّه حتّى وصول ترامب للحكم.


أمّا حلفاء بوتين، فالحزب الشيوعي الصيني، ونظام الملالي الإيراني، فضلاً طبعاً عن النظام الكوري الشمالي.


وبالمواجهة الكونيّة التي أطلقها صعود الصين بالعالم، سيكون انتصار روسيا تقدّماً للمحور الأوتوقراطي على المحور الديمقراطي. فإذا ما تذكّرنا أنّ نادي كارهي الليبراليّة الغربيّة يضمّ وجوهاً كستالين، وهتلر، والخميني، يصبح الخيار بين المحورين سهلاً.  



أنحاز لأوكرانيا، أخيراً، لسبب واقعي له علاقة بالرغبة بالسلام. لا ضرورة لكثير تبحّر بالعلاقات الدوليّة ليعلم واحدنا ما يلي: 1) الاستقرار الأوروبي المستمرّ منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية هو الاستثناء لا القاعدة بتاريخ القارّة. 2) هذا الاستقرار قام على قواعد التزمها الأوروبيّون منها احترام القانون الدولي العام، والمنظمّات الدوليّة التي شكّل الاتّحاد الأوروبي أرقى التعبيرات عنها، ورفض استعمال القوّة لحلّ الخلافات الدوليّة.


كلّ هذا، فضلاً عن الغطاء الأميركي، حمى أوروبا والعالم من الحروب العالميّة التي أطلقتها الصراعات الأوروبيّة بما مضى. هذه المنظومة اهتزّت يوم اجتاحت جيوش بوتين جورجيا، ثمّ أوكرانيا. هل يتحوّل الاهتزاز لتصدّع نتيجة سياسات ترامب؟ لو حدث ذلك، ستعود العلاقات الدوليّة إلى حيث كانت بالقرن التاسع عشر، بما هي صراع بدون ضوابط بين قوى عظمى، وبدون كابح أساسي هو التضامن بين الديمقراطيّات. وربّما ينبغي على المبتهجين بالثنائي بوتين – ترامب أن يتذكّروا أنّ ما اصطلح على تسميته بـ "القرن التاسع عشر الطويل" انتهى بحرب عالميّة أولى، تبعتها ثانية بعد سنوات.