بشار حيدر

حصرية السلاح وهواجس العدو

3 دقائق للقراءة

بمجرّد أن وافق «حزب اللّه»، عبر ممثليه في الدولة، على وقف إطلاق النار، حتى بدأ بالتصرّف من منطلق أنه سلّم مهمّة التصدّي للاحتلال ولاعتداءاته إلى الدولة اللبنانية، وهذا عملاً بمنطق: ها أنا قد تنحّيت جانباً، فأروني ماذا سيطلع من أمركم يا جماعة «حصرية السلاح بيد الدولة».

من هذا المنطلق، يصبح كلّ يوم يمرّ من دون أن تنسحب فيه إسرائيل من كامل التراب اللبناني، وكلّ يوم تستهدف فيه إسرائيل مواقع داخل الحدود اللبنانية دليلاً على عجز الدولة عن إنجاز مهمّتها في تحرير الأرض وردع العدوان، ما يؤكد بالتالي الحاجة إلى المقاومة.

لكن هذا المنطق يغفل أمرين أساسيين، أوّلهما أن قرار المقاومة التنحّي جانباً، لم يأت من أجل إعطاء فرصة للدولة للقيام بواجبها، بل لأن المقاومة، عجزت أصلاً عن إنجاز مهمّتها في منع الاحتلال ووقف العدوان. ففشل الدولة، إن تحقق فعلاً، لا يعني أبداً نجاح المقاومة. فتلك أثبتت فشلها في الحرب الأخيرة. وما يطالب الحزب وأنصاره الدولة به اليوم، ليس سوى إزالة آثار ذلك الفشل.

أما الأمر الآخر والأهم فهو أن تعليق «حزب اللّه» المواجهة العسكرية مع إسرائيل ليس كافياً لاختبار قدرة الدولة على إنهاء الاحتلال ووقف العدوان. فالاختبار الحقيقي للدولة يبدأ فقط بعد أن تنجح في إنجاز مهمة حصرية السلاح. ذاك أن المطلوب اليوم من الدولة ليس تقديم خيار عسكري لمواجهة العدوّ بدل الخيار الذي فشل، بل دورها في تأمين شروط انسحاب إسرائيل ووقف عدوانها على البلاد. وأول هذه الشروط حصر السلاح بيد الدولة. فذلك هو شرط إسرائيل المعلن. وهو شرط حقيقي وليس حجّة واهية. فإسرائيل، وبعد كل ما جرى، لن تكفّ يدها عن البلاد والعباد طالما أن تهديد سلاح «الحزب» لها ما زال قائماً.


بعبارة أخرى، إن حصر السلاح بيد الدولة شرط سابق لانسحاب إسرائيل ووقف عدوانها، وليس نتيجة لاحقة له. لذا لا يستقيم قول «الحزب» إنه مستعد للتخلي عن سلاحه إذا أثبتت الدولة قدرتها على إجبار إسرائيل على الانسحاب ووقف العدوان. فالعكس هو الصحيح: إن قدرة الدولة على إجبار أو إقناع إسرائيل بذلك تعتمد وتشترط قدرتها على إنهاء حالة سلاح «حزب اللّه».

لا شكّ أنّ ما تقدّم سيغضب البعض. فهو يسند للدولة اللبنانية مهمة تقديم تطمينات لإسرائيل. ويُعتبر ذلك، لدى جزء لا يستهان به من الناس، هرطقة وطنية إن لم يكن محض خيانة. لكن، ما هو الخيار الآخر؟ هل المطلوب ألّا نكترث بما إذا كانت إسرائيل تستشعر خطراً حقيقياً يأتيها من لبنان ويدفعها إلى شنّ حرب لا طاقة لنا عليها؟ وهل واجبنا الوطني يملي علينا السعي الدائم لإشعار العدو بعدم الأمان دون اكتراث منا بالنتائج؟ أم إن واجبنا وواجب دولتنا حماية الوطن وناسه من العدوان والموت والدمار والهزيمة، حتى وإن تطلّب هذا منا أن نقيم وزناً لهواجس عدونا ومخاوفه ونأخذها في الاعتبار؟

العبرة ليست في إثارة قلق وخوف الخصم، ولا في جعله يقف على رِجل ونصف أو نصف رِجل، بل العبرة في ما نجنيه نحن من كل هذا. أما الخطب و»المراجل» والشعور بنشوة القوة فلا تستأهل خوف طفل واحد في ليلة حرب قاسية.