أحمد الأيوبي

حماس: كفى استفزازاً والتصاقاً بإيران

4 دقائق للقراءة

أطلق الداعية الكويتي الشيخ عثمان الخميس عاصفة من ردّات الفعل المتضاربة حول الموقف من حركة حماس، بعد تصريحات له انتقد فيها الحركة ورسّخت الانقسام حولها بين مؤيد ومعارض، لكنّ هناك فئات واسعة تقبل نضال الحركة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي وترفض الجانب المتعلق بارتباطها بإيران، بالنظر إلى العدوان الواسع الذي تشنه طهران على العرب والسنة بشكل خاص، وقد تصاعد هذا التباين في الآراء وازداد السجال حول أدوار حماس بعد عملية «طوفان الأقصى»، لكنّ التطورات الأخيرة أظهرت استفزازاً فاقعاً من بعض قياداتها للرأي العام السني والعربي من خلال مواقف لا يمكن قبولها.


في الأيام الأولى لـ «طوفان الأقصى» انطلقت موجة تعاطف واسعة مع حماس ومع الشعب الفلسطيني مقابل اتجاهات أخرى حذّرت من مخاطر هذه العملية وتداعياتها المستقبلية، وما لبثت الأوضاع أن انقلبت وانتهى المشهد بتدميرٍ شامل لقطاع غزة وسقوط الآلاف من الضحايا، وبصورة يحيى السنوار مواجهاً حتى اللحظات الأخيرة من حياته آلة القتل الإسرائيلية.. وعلى طول هذه الأيام والشهور، كان هناك نوع من التفهم لدى شرائح معينة لسلوك حركة حماس بالنظر إلى المظلومية التاريخية للشعب الفلسطيني، وبالاستناد إلى ما أبداه مقاتلوها من تماسك وقدرة على المواجهة تفوّقت بأشواط على «حزب الله» الذي انهار خلال أقلّ من شهر وفقد قدرته على القتال، بينما استطاعت حماس الحدّ من الاختراق في جسدها ومواصلة القتال من دون توقيع اتفاق إذلال كما هو الحال في لبنان مع «الحزب».


لكن ما أثار النقمة والغضب الشديد على حماس هو إغراقها في الالتصاق بإيران بعد التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، رغم انكشاف التخلي الإيراني الفاقع عن الحركة وخاصة بعد اغتيال رئيس مكتبها السياسي اسماعيل هنية تحت رعاية الحرس الثوري، وكان مشهد مثول خليل الحية ومعه بين يدي مرشد الثورة علي خامنئي وخطابه المتملِّق للإيرانيين، منظراً مثيراً للاستهجان، خاصة بعد أن كشفت القيادة العسكرية لكتائب القسام في برنامج «ما خفي أعظم» على قناة الجزيرة أنّ القيادة الإيرانية كانت على علم مسبق بخطة «طوفان الأقصى»، وكذّبت زعمها أنّها لم تكن تعلم كما روّجت سياسياً وإعلامياً...


أمّا الموقف الأشدّ استفزازاً للرأي العام السنّي خصوصاً والعربي عموماً فكان ما صرّح به القيادي في حماس أسامة حمدان عندما أعلن عن المساعي لإعادة ترميم المحور الإيراني (المعادي للعرب) واعتبر أنّ ما يسمى المقاومة خسرت بسقوط بشار الأسد، وازداد الموقفُ حرجاً مع الدعوة التي أطلقتها الحركة للمشاركة في تشييع الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصرالله، ثم تحوّلها إلى الانتقاد الشرس لكلّ من انتقد هذه المشاركة ولكلّ من يرفض سياسات إيران وحزبها في لبنان.


صبر الكثيرون من السنة المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني على تبريرات حماس حول حاجتها إلى إيران قبل وخلال الحرب التي تلت «طوفان الأقصى»، لكن حتى هؤلاء فقدوا صبرهم بعد اتفاق وقف النار واستمرار جزء من قيادات الحركة في إعلان الولاء لطهران التي لم تُخفِ استمرار عدائها للشعب السوري وقيادته الجديدة، ولم تكتم إصرارها على اللعب بالساحة اللبنانية رغم كل الخراب الذي جرّته على اللبنانيين، وقد أدّى موقف هذه الفئة من قيادة حماس إلى خروج الكثيرين من الصامتين أو المبرّرين السابقين عن طورهم وعن صمتهم، فانطلقت عبر وسائل التواصل مواقف تعلن أنّ الصبر قد فاض، وأنّه لم يعد ممكناً السكوت على هذه الفئة التي لم يعد يهمها سوى تلبية المصالح الإيرانية.


والعجيب هذا الانفصام لدى شريحة كبيرة من مؤيدي حماس كيف يمكنهم أن يؤيِّدوا انتصار الثورة السورية وحكمها الانتقالي برئاسة أحمد الشرع وأن يكونوا مؤيدين لتوجهات الحركة المؤيدة لإيران؟


لم تخسر حماس على أرض المعركة كلّ شيء، لكنّ قيادتها ستخسر كلّ ما بقي لها من تعاطف ومكانة لدى الرأي العام السني والعربي، إذا لم تنضوِ في نظام المصلحة العربية وتُسكِت هؤلاء الإيرانيين في صفوفها الذين لا يقومون سوى بتكريس الانقسام، والكل بات يدرك أنّه لا مخرج من مأزق غزة إلاّ بالتحرّك العربي لوقف خطة دونالد ترامب للتهجير وبتخلي الحركة عن إدارة غزة، وفي كلتا الحالتين ليس لإيران مكان في فلسطين، فعلامَ كلّ هذا الالتصاق بنظام الملالي؟!