يبدأ يومي عادةً بمهمّة بريئة، إعداد القهوة السريعة... لكن، ما إن أدخل المطبخ حتى أُواجه خصمي الأزلي، ذاك الكائن البلاستيكي المتمترس على المقبض الخلفي لباب المطبخ، وكأنه يراقبني بعيون غير مرئيّة، يختبئ في ظلال الروتين اليومي ليباغتني.
لا يمكنني الإنكار أنّ الكيس البلاستيكي هو بطل خارق في حياتنا اليومية. فهو يحمل المشتريات، يخزّن النفايات، ويخدم في نقل "المجدّرة" إلى بيت الجيران. ومع ذلك، لديه قدرة غامضة على التكاثر. تبدأ بكيس واحد بعد رحلة تسوّق، لكنني فجأة أجد نفسي أمام مستعمرة كاملة من الأكياس المتشابكة وكأنها تخطّط لانقلاب على سكّان المطبخ.
مقبض باب المطبخ هو مسرح الجريمة. هناك حيث الكيس البلاستيكي يتشبّث كأنه فارس يرفض النزول عن جواده. حاولت مراراً التخلّص منه، لكن في كل مرّة أقرّر فيها رميه، ينبعث صوت داخلي يهمس "لا ترميني، ربما تحتاجينني يوماً!" وهكذا، يبقى الكيس، يتحول إلى قطعة ديكور شبه دائمة، ويتحدّى قوانين المنطق والجمال.
قصة الانتقام
ذات يوم، قرّرت أنّ وقت المواجهة قد حان. أخرجتُ كل الأكياس من خلف الباب، وكلّما فتحت كيساً، اكتشفتُ كيساً آخر بداخله، وكأنها لعبة "ماتريوشكا" روسيّة بلا نهاية. استجمعت شجاعتي وبدأتُ التصنيف: كيس صغير، متوسّط، كبير، ثم تلك الأكياس "الملعونة" التي تنزلق دائماً من يدي كأنها مُصنّعة خصيصاً لزيادة التوتر.
ثقافة بيئية
وسط هذه الدراما، تذكرت التحدّيات البيئية فالأكياس البلاستيكية، وعلى الرغم من براعتها في أدوارها اليومية، هي كارثة بيئية تمشي على الأرض. تتحلّل بعد 500 عام – أي أطول من أعمارنا مجتمعين. أليس من الأفضل استبدالها بأكياس قماشية؟ ولكن، هل الكيس القماشي قادر على حمل "البطيخة" الثقيلة من دون أن ينفجر في منتصف الطريق؟
سلام موقّت
بعد ساعات من المعارك الفكرية واللوجستية، رتّبتُ الأكياس بعناية ووضعتها في صندوق مخصّص. جلستُ على الكرسي، أراقب مقبض الباب الخالي لأول مرّة منذ أشهر. شعرتُ بانتصار موقّت، لكنني أعلم أنّ هذه ليست النهاية. فالكيس البلاستيكي دائماً ما يجد طريقه للعودة، حاملاً معه قصةً جديدة من الغرام والانتقام. وهكذا، تبقى حياتي مع الكيس البلاستيكي كأنها مسلسل مكسيكي لا نهاية له، مليء بالمفاجآت والدراما والحنين.
الفصل الأول: الحب من أول مقبض
كل علاقة تبدأ بلحظة خاصة، نظرة خاطفة، إحساس غريب يلامس القلب، أو في حالتِي كيس نايلون أصفر متهدّل يتدلى من مقبض باب المطبخ، يلوّح لي كلّ صباح كعاشق متيّم. لا أعلم متى بدأ هذا الحب الغريب، لكنّ المؤكّد أنني لم أكن أبحث عنه. كنتُ أعيش حياتي بسلام، أفتح باب المطبخ وأغلقه دون اكتراث، إلى أن ظهر هو… الكيس البلاستيكي، بنعومته المخادعة وصوته الخفيف الذي يهمس لي مع كل حركة هواء.
كنّا مثاليين معاً. كنت أستخدمه لجمع قشور الخضار، ثم أعيد استخدامه لجمع أكياس بلاستيكية أخرى – نوعٌ من دورة الحب اللانهائية. كان وفيّاً، لا يشكو، لا يطلب شيئاً سوى أن يبقى متدلياً هناك، يراقبني بإخلاص. لكن كمثل أي علاقة، بدأت المشكلات بالظهور!
الفصل الثاني: التململ الزوجي
بعد فترة، بدأ الكيس البلاستيكي يشعر بالإهمال. لم أعد أعيره الانتباه نفسه، فقد تراكمت فوقه أكياس أخرى. كأنني، من دون قصد، فتحت مأوى للأكياس المشرّدة. وكلّما قرّرت التخلّص منها، ينبعث صوت داخلي يهمس: "لا ترميني! قد تحتاجينني يوماً!"
وهكذا، كأي شخص يخشى الندم، كنت أؤجل القرار. تحوّل مقبض باب المطبخ إلى معرض فنّي من الأكياس المتشابكة، وكأنني أمارس فنّ "التعليق العشوائي" دون وعي. وكلّما حاولتُ سحبَ كيس معيّن، انهارت المنظومةُ بأكملها على رأسي، في مشهد درامي لا يقل إثارة عن سقوط جدار برلين. ثم جاء ذلك اليوم المشؤوم…
الفصل الثالث: الخيانة العظمى
في إحدى الليالي، وبينما كنتُ أحاول التقاط كوب الماء بنصف وعيي، مررتُ بجانب المقبض، فاصطدم الكيس بكتفي وأصدر ذلك الصوت المشؤوم: خشخششششش... شعرتُ وكأنه يتعمّد لفت انتباهي، أو الأسوأ، يوبّخني على تقصيري. حاولتُ تجاهله، لكنّ شعوراً بالذنب تسلّل إلى قلبي.
في الصباح، قرّرت إنهاء العلاقة. فتحتُ باب المطبخ بحزم، قبضتُ عليه بكلّ ما أوتيتُ من إرادة، ثم همستُ له: "انتهى الأمر، يا صديقي. لقد حان وقت الرحيل". لكنه لم يكن وحده. فمع كلّ محاولة لسحبه، خرج معه جيشٌ من الأكياس الأخرى، كأنّني أحرّك شبكة مافيا بلاستيكية، متشابكة في تحالف أبدي ضد الحرية.
بعد معركة استمرت خمس دقائق، تمكنتُ من السيطرة على الوضع، ووضعتها جميعها في كيس واحد كبير، وحملتها إلى الحاوية. وقفت للحظة، أراقبها في مرقدها الأخير، ثم تنهدتُ براحة. لقد انتصرت، أو هكذا ظننت!
الفصل الرابع: الانتقام البلاستيكي
بعد يوميْن، فتحتُ دُرج المطبخ لأجد… كيساً بلاستيكياً جديداً! أقسمُ أنني لم أضعه هناك، لكنّه كان موجوداً، ينظر إليّ بتحدٍ، وكأنه يقول "هل تظنّين أنك تخلصت مني؟ نحن لا نُرمى… نحن نعود!". حينها، أدركت الحقيقة المُرَّة: الأكياس البلاستيكية لا تختفي، بل تعود بأشكال وألوان جديدة. ترميها اليوم، فتعود غداً عبر البقالة، أو عبر فرد آخر من أفراد العائلة الذي يصرّ على الاحتفاظ بها تحسُّباً "للظروف".
إنها ليست مجرد أكياس… إنها ظاهرة كونية، لغز فيزيائي، نبوءة بيئية!
الفصل الخامس: فلسفة الكيس الخالد
حسنًا، لماذا لا نواجه الحقيقة؟ الكيس البلاستيكي ليس مجرد أداة لحمل الأشياء، إنه جزء من ثقافتنا. نحن لا ندخل إلى أي بيت دون أن نجد كيساً مملوءاً بالأكياس الأخرى، كأنه مجرّة موازية داخل المطبخ. بل إن بعض الأسر لديها نظام تصنيف داخلي لها:
- أكياس التسوُّق العادية (للاستخدام العشوائي).
- أكياس الماركات (لا تُستخدم إلا للمُهمَّات الرسميّة، مثل إرسال الطعام للجيران).
- أكياس صغيرة جداً (لا أحد يعرف لماذا نحتفظ بها، لكنها تبقى هناك).
- أكياس كبيرة جداً (تكون عادةً ممزّقة، لكننا نحتفظ بها على الرغم من ذلك).
الأدهى من ذلك، أنّ التخلص منها ليس بهذه السهولة. فإن رميتها، نخشى أن نحتاجها لاحقاً، وإن احتفظنا بها، تتكاثر كالأرانب.
الفصل السادس: المُصالحة النهائية
بعد سنوات من الصراع العاطفي مع الأكياس البلاستيكية، وصلت إلى قناعة واحدة: لا فائدة من محاربتها، ولا مهرب من مصيرها. ربّما الحل الوحيد هو تبنّي سياسة "التقليل من الخسائر". استخدام أكياس القماش؟ نعم، لكن ماذا عن اللحظات التي تحتاج فيها كيساً لحمل بقايا الغداء؟ هل ستضع المعكرونة في جيبك؟
لا، الحل ليس بالقضاء على الكيس البلاستيكي، بل التعامل معه بذكاء. الاحتفاظ بعدد معقول، إعادة التدوير، والتوقّف عن تعليقها كزينة على باب المطبخ.
أما عن كيسي القديم الذي بدأ هذه القصة، فقد قرّرت أن أمنحه نهاية مشرفة، أخذته برقّة، وضعته داخل كيس آخر (لأنّ هذا جزءٌ من تقاليدنا)، ثم أرسلتُه في رحلته الأخيرة إلى الحاوية. لكنه، في أعماق قلبي، سيظلّ هناك، يلوّح لي كلّما فتحتُ باب المطبخ، مذكّراً إياي بأنّ بعض العلاقات، مهما بدت بلا قيمة، تترك أثراً لا يُنسى... من النايلون.



