التخبّط واضح فاضح على جبهة محور الممانعة في لبنان، فلا مَن تبقّى من قيادات ولا مَن بادر من إعلاميين، هم قادرون على قلب الوقائع التي نصّت عليها كل النصوص القانونية والمرجعية، المحلية والدولية، والتي تؤكّد بأنّه من غير الممكن، استمرار أي سلاح خارج إطار الدولة، كل أراضي الدولة، وبالتالي، القول بأنّ القوى السيادية أي المؤيّدة لمشروع الدولة، تلجأ إلى تفسيرات مغايرة للنصوص، هو ساقط تمامًا، وقد ساهم في هذا السقوط الثنائي الحزبي الشيعي نفسه، مرّات ومرّات.
لقد وافق حزب الله بتاريخ 27 تشرين الثاني 2024، عبر حكومته السابقة التي سيطر على عناصرها، على الترتيبات الأمنية التي عُرفت بـ"اتفاق وقف اطلاق النار"، والتي تنصّ في المقدمة على "الإقرار بأنّ القرار 1701 يدعو أيضاً إلى التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن السابقة، بما في ذلك نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان، بحيث تكون القوات الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح في لبنان هي القوات المسلحة اللبنانية"، وبالتالي أكّدت الحكومة اللبنانية وضمنًا الحزب المذكور على الالتزام بتنفيذ القرارات 1559 و1680 و1701، وقد لجأ القرار الأخير إلى ذكر القرار 1559 ثلاث مرات.
كما أكّدت الترتيبات الأمنية الصادرة عن حكومة "الحزب"، على أنّه يتمّ "بدءاً من منطقة جنوب الليطاني، تفكيك جميع المنشآت غير المصرح بها المستخدمة لإنتاج الأسلحة أو المواد ذات الصلة، ومنع إنشاء مثل هذه المنشآت مستقبلًا"، وكلمة "بدءًا" لا تحتاج إلى تأويل أو معجم تفسير ولا يمكن تحوير مسارها ومعناها، وهي واضحة بأنّ تفكيك المنشآت سيطال كل الأراضي اللبنانية، وقد جددت الحكومة اللبنانية، عبر بيانها الوزاري التي منحها حزب الله - بناءً على هذا البيان وبمعيّة حركة أمل - ثقته، التأكيد كل ما سبق ذكره.
وجاء في البيان الوزاري، التزام الحكومة في "تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 كاملا، من دون اجتزاء ولا انتقاء"، كما أكّد على "ما جاء في القرار نفسه، وفي القرارات ذات الصلة"، وعلى "بسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، بقواها الذاتية حصرًا"، كما "واجب الدولة في احتكار حمل السلاح".
العبارات الواضحة التي نصّت عليها القرارات الدولية والبيان الوزاري واتفاق وقف إطلاق النار، معطوفة على وثيقة الوفاق الوطني، لا نقاش فيها، وهي جازمة في انهاء كل سلاح وكل بنيان عسكري وكل دور أمني خارج إطار الدولة، وعلى كامل الأراضي اللبنانية، حيث أنّ "مهزلة الليطاني"، ما قبله وما بعده، شماله وجنوبه، قد انتهت بشكل تام، وقد حلّت نهايتها مرّتين، مرّة أولى بمعركة عبثية لم تقف لا عند حدود "قواعد اشتباك" ولا عند حدود "نهر الليطاني"، ومرّة ثانية حين وافق على انهائها بشكل صريح وواضح حزب الله عبر المفاوض، أخيه الأكبر، وعبر حكومته السابقة، وعبر وزرائه في الحكومتين الحالية والسابقة.
من هنا، إنّ الهروب إلى الأمام، لتغطية الأمر الواقع في انتهاء أي دور أو وجود للسلاح، لا يمكن أن يتمّ عبر ابتداع مهزلة جديدة عنوانها "النقاش الوطني حول السلاح"، فسيادة الدولة وهيبتها ووجودها لا نقاش حولهم، والكلام عن أيّ مصلحة عليا أو أمن قومي، لا يمكن أن يستتب إلا بالخضوع للدولة والتسليم بقرارها، من دون أي تشكيك بأسسها البديهية، ودون الاختباء خلف "حوار حول استراتيجية دفاعية"، فلا حوار ولا جدال حول دور الدولة، التي وحدها تتولّى تحديد إطار الدفاع.