راشيل علوان

أثار الجدل داخل الكنيسة الكاثوليكية وخارجها

البابا فرنسيس... إيقاعٌ مختلف لمواكبة العصر

4 دقائق للقراءة
شموع ورسائل على نية شفاء الحبر الأعظم (رويترز)

العالم اليوم يصلّي للذي يحمل عادة العالم أجمع في صلواته، فالجميع يتابع عن كثب أخبار صحة البابا فرنسيس الذي لا يزال منذ ثلاثة أسابيع يكافح في المستشفى التهاباً رئوياً مزدوجاً، ويتساءلون هل يتغلّب رجل الـ88 عاماً على الأزمة الصحية المقلقة التي ألمّت به، هو الذي يكمل هذا الشهر عامه الـ12 على رأس الكنيسة الكاثوليكية؟


اثنا عشر عاماً أصبحت خلالها مكانة الفاتيكان أكبر في وسائل الإعلام العالمية، إذ جاء البابا فرنسيس بمواقف أقلّ ما يُقال عنها إنها مثيرة للجدل. فتبنى البابا خطّاً مختلفاً بعض الشيء لمواقف الكنيسة، متحرّراً كما يصفه البعض، ومعتدلاً في تحديث الكنيسة وانفتاحها على ما يجري من حولها كما يرى البعض الآخر.


ولعلّ أكثر مواقف الحبر الأعظم إثارة للجدل كانت تصريحاته المتتالية عن المثلية الجنسية، انتقدها بشدّة المحافظون داخل الكنيسة الكاثوليكية، إذ اعتبر في تموز 2013 المثلية خطيئة وليس جريمة، صادماً العالم للمرّة الأولى بموقف غير مألوف لرأس الكنيسة من المثلية. وفي العام 2016، فجّر البابا قنبلة جديدة في هذا المجال، معتبراً أنه على الكنيسة الكاثوليكية أن تعتذر للمثليين، بسبب الأسلوب الذي تعاملت به معهم.


ليذهب في 2023 أبعد من ذلك، بموافقته على السماح للكهنة بمباركة الأزواج المثليين. موقف تقدّمي حرّفته بعض وسائل الإعلام آنذاك، معتبرة أن البابا يوافق على زواج المثليين، ليصدر الفاتيكان بياناً توضيحياً مؤكداً أن عقيدة الزواج لن تتغيّر ومنح البركة للأزواج المثليين لا تعني أبداً الموافقة على الزواج.


في ملف المثلية كما في ملف الإجهاض، فالبابا وبعد مقابلات عديدة مع صحافيين عن هذا الموضوع، اعتبر كثيرون أنه موافق على الإجهاض لدى حديثه حول وجوب منح الأساقفة المناولة حتى للسياسيين الذين يدعمون القوانين حول الإجهاض. ليعود ويؤكد الفاتيكان موقف البابا من رؤيته للإجهاض على أنه قتل للنفس، إلّا أنه يشدّد على ضرورة استيعاب الكنيسة الناس مهما كانوا، انطلاقاً من مبدأ أن الكنيسة تعيش في العالم الحديث، الذي لا بدّ لها من الانفتاح عليه.


وفي أكبر تعديل لقوانين الكنيسة الكاثوليكية منذ نحو 40 عاماً، شدّد البابا فرنسيس العقوبات على رجال الدين الذين يتحرّشون بالقصّر والفئات الضعيفة من البالغين، وذلك بعد تقديمه اعتذاراً علنياً عن الإساءة إلى الطفولة عبر حوادث التحرّش بالأطفال التي حصلت على يد رجال دين، مانعاً هؤلاء من العمل الكنسي.


موقف جريء للحبر الأعظم، فشل أسلافه في اتخاذه رغم التقارير عن حالات تحرّش كثيرة اختاروا التستّر عليها، ما كرّس ثقافة الإفلات من العقاب.


في شأن الصراعات والحروب، لطالما كرّر البابا فرنسيس إدانته الصراعات التي تفاقم الأوضاع الإنسانية وتزيد الهجرة، في غزة كما في أوكرانيا، متحدّثاً عن سقوط آلاف الأطفال ضحايا لهذه الصراعات.


وفي السياق نفسه، لم تسلم حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الهجرة من انتقادات البابا، إذ أشار إلى الأطفال الذين لا يحملون وثائق على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، معتبراً أنهم أولى ضحايا هجرة اليأس والرجاء.


آراء ومواقف كثيرة للبابا فرنسيس، يراها البعض تقدّمية إلى أبعد حدود، تثير ريبة التقليديين أو المحافظين داخل الكنيسة الكاثوليكية كما خارجها. وفي حين يرى بعضهم في تفسيرات البابا وتصريحاته محاولة ربّما لتغيير التعاليم الكنسية، يرى البعض الآخر في مواقفه محاولة منه لاعتماد مقاربة مختلفة لهذه التعاليم، ترتكز على عدم المسّ بالعقيدة الكاثوليكية، وتحديث التعاليم القابلة للتطوير، تماشياً مع العصر الذي نعيش فيه.


وبعد، تختلف صورة البابا فرانسيس عن صورة من سبقوه، هو أوّل غير أوروبي وأوّل "يسوعي" على رأس الكنيسة الكاثوليكية، أتاها من الأرجنتين، من قلب بوينس آيرس النابض بالحياة، حاملاً في داخله إيقاعاً مختلفاً نسج هويته ورسم شخصيته.