"سرّ شربل: عجائب لكل إنسان" لجورج حايك

6 دقائق للقراءة
ضريح القديس شربل في "دير مار مارون" - عنايا

في كتابه "سرّ شربل: عجائب لكل إنسان"، الصادر عن "دار سائر المشرق"، يستقصي الكاتب جورج حايك أكثر من خمسين أعجوبة كبيرة للقديس شربل مخلوف، وقد تمكّن من مقابلة أكثرية الذين لمسهم نور المسيح بشفاعة شربل، وأُنعم عليهم بالشفاء. أخبروه بصدق قصصهم، والرسالة التي فهموها من الأعجوبة، وما غيّرته في حياتهم. ويُجري حايك قراءة روحية لهذه العجائب، مؤكدًا أنّ شربل لا يريد أن يلفت النظر إلى شخصه من خلالها، بل إنّ عبادته خلال حياته كانت موجّهة نحو المسيح يسوع: المركز والمحور والغاية لكل روحانية، حيث تجتمع الروحانيات المنقادة لإلهامات الروح القدس في الإنسان.

أصبح القدّيس شربل معروفًا ومنتشرًا في مشارق العالم ومغاربه، تبدأ فصوله وقصصه وعجائبه في لبنان ولا تنتهي في الصين. وقد شكّل لغزًا كبيرًا للبنانيين في الوطن، وللعالم في أصقاع الأرض. كلّ ما يعرفه الناس أنّ ما كان يفعله في محبسة عنايا تميّز بروحانيّة لا تقوم على الوعظ والتبشير، بل على قيمة حياتيّة وطاقة إنجيليّة، لغتُها فضائل وأفعال خفيّة حُرِّرت بصمت مطبَق… بسُكوت مستمرّ من أجل الله.

شخصيّته وسلوكيّته نقلتا بصدقيّة عالية عمق المسيح وبساطته في آن، فشدّ المؤمنين بسرّه وسحره وأعاجيبه، وحثّهم على معرفة الخالق وعبادته على طريقته، بجاذبيّة وواقعيّة، ودائمًا من دون كلل، لمعرفة أقاصيص الإنجيل وعِبَره. وكلّ ذلك بصمت غريب مع الناس، وصمت متكلّم مع الله.

من المؤكّد أنه لا يُمكن إحصاء عدد عجائب القدّيس شربل لأنها في تزايد مضطرد، لكن يُمكن القول إنّها تتجاوز الـ 33 ألفًا. الربّ يصغي إليه، فتُمطر السماوات زخّات حبّ لامتناه على المؤمنين. والسبب أنّ شربل أحبّ الربّ كثيرًا وغرق فيه. لذلك، لا تُرفض شفاعته عنده. الله يجترح المعجزات ولا يرفض طلبًا لهذا القدّيس الذي عاش حياته معه، شربل مع الله دائمًا.

لا شكّ في أنّ مار شربل أعطى ذاته للّه ولم يتعلّق بأيّ شيء في الحياة، فشرّع الربّ له الأبواب، وصار غارقًا في حبّ خالقه. لذلك، أينما تطلبه، يحضر. يعرّف عن نفسه أمام الأجانب: "أنا مار شربل لبنان، جايي أشفيك!"، ويرفع اسم لبنان إلى المجد!

هذا القدّيس قريب من الجميع. من يعاني من المشاكل يلتجئ إليه ليجد حلا لها، ومن يعاني من مرض معيّن يلتجئ إليه، ومن لديه صعوبات معيّنة يذلّلها. لذلك، عندما يجد الناس قدّيسًا يلبّيهم في كلّ حاجاتهم، لا يقصدون غيره. من يتّكل عليه، لا يرغب في الذهاب إلى غيره. واللافت أنّ الأعجوبة لا تحدث سدًى، بل تقوّي الإيمان، وتضيء على رؤى بعيدة مثل أعجوبة نهاد الشامي! كلّ أعجوبة حدث في حدّ ذاتها. الربّ يدعونا من خلالها إلى التوبة. كما أنها تحمّل الإنسان الذي تحصل معه مسؤوليّة كبيرة بعدم العودة إلى الخطيئة. وفي هذه الحالة، تثبت النظريّة: من يُشفَ بشفاعته يتقدّس بشفائه، ومن يُدرِك مار شربل أنه سيتقدّس بألمه، يُعْطِهِ القوّة كي يتحمّل وجعه ويصبح قدّيسًا. لا أحد يقصد القدّيس شربل ويعود كما كان.

لا بدّ من التمعّن في الرسالة الأهمّ التي أراد مار شربل إيصالها من خلال معجزاته وشفاعته واحتضانه المؤمنين، ألا وهي الدعوة إلى الصلاة، حتى إنه يطلب من الذين نالوا الشفاءات بشفاعته تلاوة المسبحة الورديّة، إذ لا خلاص خارج الصلاة. إنّ صلاة المسبحة هي السلطة الأقوى ضدّ الشرّ، والشعب الذي يصلّي ينمو في الله، وكلّ مرّة نصلّي فيها المسبحة تُزرع المحبّة في العالم.

أمّا طرق الشفاء فتتمّ بوسائل مختلفة: إمّا باستعمال الزيت المقدّس، أو البخور، أو قطعة قماش لمست جسد القدّيس شربل، أو الصلاة أينما كنّا، أو تراب من على قبره. وهنا لا بدّ من التوقف أمام ميزة هذا التراب الذي يأخذه المؤمنون من ضريح مار شربل، وهو يذكّرنا بالآية المذكورة في الإنجيل: "إذا كان الإيمان بقدر حبّة الخردل، فهو يغيّر وجه الدنيا". والمفارقة أنّ تراب ضريح مار شربل قلويّ، أي عندما يُغلى يبلغ الرقم الهيدروجيني 8، في حين يبلغ هذا الرقم 7 أو 7.30 بالنسبة إلى سائر أنواع التراب الأخرى، وقد وُصف تراب مار شربل للشفاء من الأمراض.

يتمتع شربل بشفاعة كبيرة لدى الله، فلا يرفض له طلبًا. يلتجئ الناس إليه لأنه أكثر قدّيس يجترح العجائب في المعمورة، والأهمّ أنه لا يفرّق بين إنسان وآخر، لا عبْر الدِّين ولا الطائفة ولا العِرق. وهو واحد من ثلاثة قدّيسين هم الأشهر في العالم، وهما، إضافةً إليه: القدّيس بادري بيو، ومار أنطونيوس البدواني!

هكذا أصبح مقصودًا من كلّ أصقاع العالم، إذ يأتيه الناس مثقلين بهموم الحياة ووجع القلب وتأنيب الضمير، يأتونه محطّمين، ضعفاء، خائبين، مهزومين، متعطّشين إلى أذن تسمعهم، ويد تُكفكف دموعهم وذراعين تغمرانهم… فيلقاهم عند الباب، بشماله يمسِك "الكتاب المقدّس" وبيمينه يُشير إلى السماء. بالنسبة إلى عابر السبيل قد يكون مجرّد تمثال أسود اللون، مغروز عند مدخل الدَّير في عنايا، إنما لقاصديه فهو من لحم ودم، يتهافتون لإلقاء التحيّة عليه، وتقديم الزهور له، والتقاط الصور معه. كيف لا، وهو لا يكلّ من سماعهم ولا يملّ، في اللّيل كما في النهار، فالدَّير يعجّ بالمحبّين على مدار السنة، إذ يقصده سنويًا نحو 5 ملايين زائر من كلّ قارات العالم.

بات معروفًا أنّ القدّيس شربل يتدخّل حيث يعجز الطبّ، وتضيق مخيّلة الإنسان، في لحظة يَعتبرها المرء أنها النهاية، فتكون بحدّ ذاتها البداية. ما من حدود جغرافيّة ولا زمانيّة ولا طائفيّة لتدخّله، يتنقّل من دون "باسبور". امتلأ شربل من الله، وغرق به إلى حدّ لم يعد يرفض له الله أيّ طلب. في طلب الشفاء استجاب، وفي حوادث السير لبّى النداء، ومع العاقر لم يبخل، وردَّ عن البعيدين والقريبين والمسافرين والضالّين.

قد يسأل سائل: على أيّ أساس يشفي القدّيس شربل فلانًا ويَسمح بأن تُذرَف دمعة فلان؟ الجواب أنّ الغاية لدى القدّيس شربل هي قداستُنا، لذا يتقدّس البعض في الشفاء، ويتقدّس البعض الآخر بالألم، وفي الحالتَين يبتعد المرء عن الخطيئة ويقترب أكثر من الله.


جورج حايك

من مواليد 12 شباط 1971 في الأشرفية - بيروت. حائز إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية عام 1994. كتب في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية المحلية والعربية، وهو منتسب إلى "نقابة محرِّري الصحافة اللبنانية". صدر له 22 كتابًا، من بينها: "وادي قاديشا من الأعماق إلى القمم"، "نسّاك لبنان"، "بشير الجميّل: تاريخ في رجل"، "التأمّل من وحي شربل"، "محابس مارونية جدرانها ترتفع إلى السماء"، "قنوبين في قلب الله"، "المقاومة في لبنان: رأي ورأي آخر"، "عنايا"، "بيوت القديسين والأبرار الموارنة: طريق إلى السماء"، "على دروب المقاومة"، "حوار مع ناسك"، و "الإمارات نحو قمم الذكاء الاصطناعي".