في خطوة لافتة، أطلقت أكاديمية الدولة الوطنية في مؤسسة الحريري سلسلة جلسات حوارية في مدينة صيدا لمناقشة البيان الوزاري لحكومة الإصلاح والإنقاذ، وذلك تحت عنوان "صيدا تناقش البيان الوزاري". تهدف هذه الجلسات إلى توفير المساحة للمجتمعات القطاعية لإبداء رأيها والتشارك حول تقاطع مجالات اهتمامها مع البيان الوزاري بما هو الرؤية الاستراتيجية للحكومة.
تعقد هذه الجلسات يوم الخميس من كل أسبوع وعلى مدى أربعة أسابيع خلال شهر آذار، حيث يشارك في كل جلسة ممثلون عن القطاعات المعنية بالمجالات التي يتم مناقشتها فيها. تتناول سلسلة الجلسات سبعة مجالات هي: "الصحة العامة والشؤون الاجتماعية، التعليم وإنتاج المعرفة والابتكار والثقافة، المرأة والشباب، إعادة الإعمار والبيئة، الخدمات والمرافق العامة، التنمية الاقتصادية، الأمن والقضاء والإدارة العامة".
انطلقت أولى هذه الجلسات تحت عنوان "الصحة العامة والشؤون الاجتماعية" في أكاديمية الدولة الوطنية بحضور: رئيسة المؤسسة السيدة بهية الحريري، رئيس بلدية صيدا حازم بديع، نقيب الأطباء يوسف بخاش، مدير مركز ترشيد السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت فادي الجردلي، السفير عبد المولى الصلح، المديرة التنفيذية لمؤسسة الحريري روبينا أبو زينب، عضو المكتب السياسي لتيار المستقبل زياد ضاهر، رئيس جمعية تجار صيدا وضواحيها علي الشريف، رئيس اتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الجنوبي عبد اللطيف الترياقي، أعضاء المجلس البلدي لمدينة صيدا: عرب كلش، وفاء شعيب، ومصطفى حجازي، رئيس مصلحة الصحة في الجنوب جلال حيدر، نائب نقيب الأطباء غنوة دقدوقي، وأصحاب ورؤساء ومدراء مستشفيات حكومية وخاصة، وممثلون عن القطاعين الصحي والاجتماعي، ومجموعة من الشباب المشاركين في الاستبيانات، وفريق عمل مؤسسة الحريري.
افتتحت الجلسة بالنشيد الوطني اللبناني، ثم بترحيب وتقديم من مدير البحث والتطوير في مؤسسة الحريري المهندس محمد الحريري. ألقت بعدها السيدة بهية الحريري كلمة أشارت فيها إلى الهدف من إطلاق الجلسات الحوارية حول البيان الوزاري، فاعتبرت أن "كل مواطن معني بما يتضمنه البيان الوزاري لجهة ضروراته الذاتية والمناطقية والقطاعية والوطنية، مما يستدعي المشاركة الفاعلة في الاطلاع على كل مكوناته".
وقالت: "لقد رأينا أنه من واجب مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة أن تبادر إلى إطلاق مناقشة البيان الوزاري في هذه الظروف البالغة الدقة والصعوبة، والتي شهد خلالها لبنان والجنوب على وجه خاص مرارة العدوان والقتل والتهجير والدمار. وإننا على ثقة بقدرة اللبنانيين على تجاوز كل هذه الصعوبات والتحديات من خلال العمل على تعزيز الوحدة والشراكة الوطنية، والتي تستدعي أن نستعيد الثقة بأنفسنا وبقدراتنا المجتمعية والقطاعية والإنتاجية في كافة المجالات".
وأضافت: "لقد تشرفت بالأمس بلقاء دولة الرئيس نواف سلام وأطلعته على برنامج 'صيدا تناقش البيان الوزاري'، ومن صيدا إلى كل لبنان، فأبدى دولته كل دعم واهتمام واستعداد لمتابعة كل ما ينتج عن النقاش واعتباره حقًا لكل مواطن في لبنان".
وتحدث نقيب الأطباء الدكتور يوسف بخاش، فأشار إلى أن خطاب القسم أكد على دعم الصحة بشكل عام، وأن المطلوب دعم المستشفيات الحكومية التي تعالج نحو مليوني مواطن على حساب الوزارة، مؤكدًا على ضرورة إعطاء الأهمية للمستشفى الحكومي والعودة إلى قانون 1996 الذي يعطي المستشفيات الحكومية إدارة مستقلة، ولا نبقيها مقيدة بمجالس الإدارة، ونقل خبرة المستشفى الخاص إلى الحكومي تحت رقابة ومظلة وزارة الصحة.
ولفت إلى أن البيان الوزاري أكد على دعم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لكن نسينا الصناديق الأخرى مثل تعاونية الموظفين، الدرك، الأمن العام، أمن الدولة، الجمارك، في وقت أنها مؤسسات تعاني. وقال: "كنا نتمنى أن يلحظ البيان كيفية تنظيم الصناديق الضامنة الرسمية وتوحيدها من الناحية التقنية".
واستغرب بخاش كيف أنه لم يتم حتى الآن تحديث كتاب الرموز الطبية منذ ما يقارب 25 سنة، رغم أن الطب تطور وأصبحت معظم العمليات الجراحية غير موجودة فيها.
وأضاف بخاش: "تحدث البيان الوزاري عن ضرورة تأمين الدواء، بينما هناك تطور في هذا القطاع على صعيد تصنيع الدواء في لبنان، والذي بات يغطي اليوم أكثر من 50% من حاجة المواطنين من الأدوية. آملًا من الحكومة أن تدعم هذا القطاع وتصدير الدواء اللبناني إلى الخارج، ما يشكل موارد للدولة اللبنانية".
وتطرق بخاش لموضوع مراكز الرعاية الصحية الأولية، فقال: "هناك تقريبًا 550 مركز رعاية أولية، ثلثها تحت إدارة وزارة الصحة، والثلثان تحت إدارة جمعيات ربما نجحت أكثر في إدارتها، فعلينا الاستفادة من خبرة المؤسسات والجمعيات غير الحكومية في إدارة هذه المراكز، وتحسين أدائها بدعمها بالأطباء والإمكانيات بما يخفف من كلفة الفاتورة الاستشفائية".
وفيما يتعلق بالشؤون الاجتماعية ودعم الشرائح الأكثر فقرًا، رأى بخاش أنه يجب البدء بإحصاءات ودراسات لنعرف فعلاً ماذا لدينا من أرقام وأعداد في لبنان وندقق فيها لنتوجه بها إلى المؤسسات الدولية.
وفي ختام مداخلته، أكد بخاش على أهمية وضرورة إشراك النقابات الطبية والصحية في خارطة وزارة الصحة ليكونوا داعمين للخطط الصحية للحكومة وللوزارة.
الجردلي
أشاد الدكتور فادي الجردلي بالنقاش الموضوعي حول البيان الوزاري، متمنياً أن تصبح البيانات الوزارية أكثر دقة وشفافية، تعكس الأولويات ضمن خطة واضحة. وأوضح أن القضايا الصحية والاجتماعية المطروحة حالياً كانت مدرجة منذ عام 2000، لكن السياسات السابقة لم تترجمها بفعالية، إذ كانت البيانات الوزارية والموازنات متباينة، مما يعيق التنفيذ والمحاسبة.
وأشار إلى أن مشروع قانون التغطية الصحية الشاملة يقتصر على صندوق وزارة الصحة، مؤكداً ضرورة توحيد الصناديق الضامنة. كما شدد على أهمية تنفيذ قانون استقلالية المستشفيات الحكومية بالشكل الصحيح.
وأضاف أن لبنان كان رائداً في الرعاية الصحية الأولية، لكن بعض الدول العربية تقدمت في مجال الوقاية، بينما لا يزال التركيز محلياً على العلاج فقط. كما أكد أن زيادة التقديمات الاجتماعية يجب أن تراعي النهوض الاقتصادي، مشدداً على ضرورة اعتماد رؤية وطنية شاملة، مثل "رؤية لبنان 2050"، لتوجيه السياسات الحكومية مستقبلاً.
تخلّل الجلسة عرض قدّمه فريق عمل مؤسسة الحريري حول البيان الوزاري والمصطلحات المذكورة وتقاطعاته العامة والخاصة بمجال الصحة العامة والشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى تقاطعاته مع الاستراتيجية الوطنية لمنع التطرّف العنيف، انطلاقاً من أهداف ومحاور الاستراتيجية التي ساهمت المؤسسة في إنتاجها مع حكومة استعادة الثقة في وقت سابق.
وبينما يرافق الجلسات استطلاع لرأي الشباب حول مقاربة البيان الوزاري لهذه المجالات عبر استمارة إلكترونية شارك فيها خلال ال24 ساعة الأولى 625 شابة وشاب، قدّم فريق المؤسسة النتائج الأولية للإستبيان وتلى ذلك نقاش عام تخلّل مداخلات من 12 ممثلة وممثل عن القطاعات الصحية والإجتماعية المشاركة.