أمجد اسكندر

سوريا و"معضلة القنافذ"

3 دقائق للقراءة

مفهوم "الدولة" نشأ في منطقتنا بعد انهيار السلطنة العثمانية. التعريف الديني كان السمة الغالبة على كل المكونات والكيانات، وشكل وعيها الأساسي بهوياتها. من العراق إلى مصر، وقبل أن تستكمل "الدولة الوطنية" تجربتها، افترستها الأنظمة العسكرية الاستبدادية.


لم يتح للتجربة الديمقراطية أن تأخذ فرصتها ووقتها، وتحت طبقة سميكة من الإسمنت دُفنت كل تطلعات شعوب هذه الدول. ما يحدث في سوريا كأننا عدنا مئة سنة إلى الوراء. الإسمنت المصبوب تبين أنه رماد فوق جمر الهويات الطائفية التي لم تنطفئ. لماذا كل الدول التي تخلصت من نير الاستبداد لم تنجح في بناء "الدولة"؟ السبب أن عقائد أُحادية وشمولية كانت تحارب أنظمة بدورها كانت أُحادية وشمولية.


التجارب الديمقراطية الحقة لا تزال "جنينية"، وسريعة العطب. قد يُقال إن "الطبقات الحاكمة" تمنع القفز إلى رحاب الديمقراطية، وهذا غير صحيح فغالبية الناس على دين ملوكها. والتغيير الكبير يجب أن يحصل ضمن كل مكوِّن لا أن يدّعي مكون طائفي معين أنه قادر على قيادة التغيير الشامل، بينما تعتري تجربته الخاصة الكثير من العثرات والأخطاء.


المكونات السورية كلها ملتهبة، وكلما اقترب مكون من الآخر ازدادت النار الطائفية اشتعالاً. قبل مئة سنة سادت "انتدابات" لدول غربية تحت شعار تأهيل كيانات المنطقة. واليوم، يوجد في بعض الدول أكثر من انتداب خارجي داخلها، وهذا ما يزيد من قتامة الأوضاع. فالزلازل التي أسقطت أنظمة وأقامت أخرى، كانت أسبابها خارجية بشكل عام. وقبل مئة سنة، وجدت العوامل الخارجية أنه من الطبيعي أن تجتمع في ما يسمى "سايكس بيكو" لتنظيم التغيير الذي أحدثته، ولحفظ مصالحها في الخرائط الجديدة.


كانت هناك قوتان عُظميان، فرنسا وبريطانيا. اليوم لو أتيحت اتفاقية "سايكس بيكو" جديدة، لتوجب دعوة عشرات القوى الدولية، وهذا أقرب إلى الاستحالة. ورغم كل التمزق الحاصل، تبدو "سايكس بيكو" صامدة في حدود الدول التي رسمتها، ويبدو تغيير الحدود عصياً على القوى كلها من داخلية وخارجية. التاريخ قال كلمته والكل أعجز من معاندة التاريخ إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.


سالت وتسيل دماء كثيرة في سوريا، وعندما يشتد دوران الدوامة تصبح لكل مكون مجزرته الخاصة وذاكرته المخضبة بالدم والمعاناة. وأشد الأخطار أن تُطرح الحلول السهلة والطوباوية. تنظير كهذا أوصلنا إلى مآسٍ كالتي نشهدها اليوم. كيف يمكن أن تأتي الحلول بسرعة بينما يتقدم الوعي ببطء؟


يجب أن نبحث عن أصعب الحلول لأنها وحدها معقولة. و"معضلة القنافذ" لشوبنهاور لا مُنازع لها رغم كل النظريات. في ليلة شديدة البرودة تلاصقت مجموعة من القنافذ لتتّقي البرد بالدّفء المتبادل. ولكن كلما دنت من بعضها البعض أدمتها الأشواك الناتئة من أجسامها فتضطر إلى التباعد من جديد. تحول البرد صقيعاً وكان لا مفر من الاقتراب من جديد، رغم الوخز الموجع للأشواك. استمرَّ هذا المنوال بين الاقتراب والابتعاد إلى أنْ ارتضت بالمسافة المناسبة، بحيث تحتمل الوخز وتحظى بالدفء المطلوب الذي ينجيها من الموت.