تُحْفَتان لبيتهوفن في عرضٍ واحد مع "الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانيّة"

4 دقائق للقراءة

نظّم "المعهد الوطني العالي للموسيقى – الكونسرفتوار"، بدعوة من رئيسته المؤلّفة الموسيقية هبة القوّاس، أمسية سمفونيّة أحيتها "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية" بقيادة عازف البيانو والموسيقي اللبناني- الأردني- البريطاني كريم سعيد، ومشاركة "الكونسرت ماستر" إيهاب جمال، في "الكنيسة الأرمنية الإنجيلية الأولى" في بيروت، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة ونائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري وسفيرَي مصر وأستراليا والرئيس فؤاد السنيورة وشخصيات سياسية ودبلوماسية وفكرية وإعلامية.


في ليلة موسيقية استثنائية، اجتمع فيها إبداع الماضي والحاضر، أدّت "الأوركسترا" العمل الموسيقي للوتريات "Aspiration" للقوّاس، مع الكونشرتو الأول والثالث للبيانو والأوركسترا للودفيغ فان بيتهوفن، حيث قُدّمت، ولأول مرة في لبنان، رائعتَا بيتهوفن، العملان الموسيقيان الكبيران، في عرض واحد وفي أمسية فريدة أبهرت الجمهور بمزيجها الفريد من الحداثة والكلاسيكية.


حشد كبير من جمهور الموسيقى الكلاسيكية حضر الأمسية، التي افتتحت بمقطوعة القوّاس "Aspiration"، وقادت الجمهور في رحلة موسيقية تأمّلية تتخطى الحدود التقليدية للسيمفونية، إذ امتزجت روح الشرق مع الأوركسترا الغربية في تفاعل متناغم يعكس فلسفة الصعود والارتقاء، الصمت والبوح، والقوة والسكون.


بعد هذه التجربة الحديثة، عاد الجمهور إلى عبقرية بيتهوفن الكلاسيكية، حيث أدت الأوركسترا الكونشرتو الأول بروحه المتوهجة، التي انعكست على القائد والعازفين، فبرع المايسترو سعيد بإيصال الطاقة المتدفّقة في المعزوفة، ولمحات من روح بيتهوفن الابتكارية المبكّرة، حيث أبدع في تقديم حوارات موسيقية نابضة بالحياة بين البيانو والأوركسترا، بينما جاءت الجمل اللحنية مفعمة بالحيوية والتألق.


أما الكونشرتو الثالث، فكان تتويجاً للأداء، إذ حمل في طياته عمقاً دراماتيكياً وأحاسيس متوهّجة تعكس شخصية بيتهوفن الأكثر نضجاً. وقد أظهرت الأوركسترا قدرة استثنائية على المزج بين القوة والتعبير العاطفي.


وفي حوار ثريّ بين البيانو والأوركسترا، قاد المايسترو الأوركسترا باحترافية وإتقان، مضيفاً على الأمسية روحاً من التناغم والتكامل الموسيقي.


جسّدت الأمسية لقاءً فريداً بين عصرين موسيقيين، حيث عانق صوت بيتهوفن الخالد رؤى القواس المعاصرة، ليؤكد الحفل أن الموسيقى، رغم اختلاف أزمنتها، تبقى لغة تتجاوز الزمن، قادرة على استحضار الماضي وإلهام المستقبل في آن واحد.


هذا ما ألمحت إليه في كلمتها المسهبة، رئيسة الكونسرفتوار حين تحدثت عن قوة الموسيقى وتأثيرها فقالت: "نحتفي بقوة الموسيقى، هذه اللغة العالمية التي توحدنا، وترفعنا، وتضيء لنا الطريق نحو المستقبل". أضافت القواس: "نحن محظوظون هذا المساء باستضافة عازف بيانو استثنائي بعمق فني فريد، هو كريم سعيد. موسيقي لا يقتصر إبداعه على عزف البيانو فحسب، بل يمتد ليحتضن جوهر الصوت الأوركسترالي بأكمله. وما يجعل هذه الأمسية مميزة هو أن كريم لن يكون فقط العازف المنفرد، بل سيتولى أيضاً قيادة الأوركسترا، في لحظة تحمل في طياتها الإلهام والكشف الفني العميق". وقالت القواس: "هذا المساء يكتسب أهمية خاصة أيضاً بحضور وزير الثقافة الجديد، الدكتور غسان سلامة، وهو شخصية مرموقة في مجالات الدبلوماسية والتعليم والتطوير الثقافي. إن رؤيته تتماشى تماماً مع ما سعينا إليه طويلًا، تحقيق بنية تحتية موسيقية متكاملة وشاملة في لبنان. على مدار العامين الماضيين، كنت أعمل على وضع الأسس لهذا الإطار الموسيقي الشامل، خطوةً بعد أخرى. والآن، مع قائد يتمتع برؤية استراتيجية وخبرة دولية مثل الدكتور سلامة، لدينا فرصة استثنائية لجعل هذا الحلم حقيقة".


وفي تلبية لدعوة القواس لإلقاء كلمة، توجه وزير الثقافة د. غسان سلامة إلى الحضور قائلاً: "الموسيقى لغة لا تحتاج لمفردات، لذلك لن أثقل عليكم بمفرداتي. أردت فقط أن أحيّي هبة القواس وإني أتطلع للاستماع إلى تأليفها، وأحيي كريم وإيهاب وكل الموسيقيين، وأحيي عودة الحياة إلى صرح أساسي من صروح الثقافة في لبنان "الكونسرفتوار" الموجود في نحو عشرين موقعاً مختلفاً على طول الأراضي اللبنانية، وهو ما أن يصاب بكبوة إلا ويستعيد عافيته فوراً بعد تلك الكبوة. أحييكم جميعاً وأشكركم على حضوركم في هذه اللحظة الجميلة التي تعود فيها الحياة إلى الأوركسترا وإلى لبنان بأسره".