شهدت الخشبة اللبنانية لقاءً هو الأول من نوعه في المشهد الموسيقي الكلاسيكي، بين عازف البيانو الروسي بوريس بيريزوفسكي وابنته العازفة إفلين بيريزوفسكي.
وبدعوةٍ من رئيسة "المعهد الوطني العالي للموسيقى" الدكتورة هبة القواس، تحوّلت "الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في بيروت" إلى تجريد بصريّ ومكانيّ ممتد، في فضاءٍ هبطت فيه الموسيقى كبنية فلسفية تتجاوز الحضور المادي العابر.
افتتحت الحفل الدكتورة القواس بكلمة تحمل الكثير من الفخر بحضور هاتين القامتين الموسيقيتين إلى لبنان، وما يحمله هذا الحضور من دلالات بالغة المعاني، وقالت: "نحن لا نستقبل فحسب أسطورة البيانو العالمية بوريس بيريزوفسكي برفقة ابنته المتميزة إفلين، بل نشهد تجليًا نادرًا لإرث موسيقي كوني يتوارث من جيل إلى جيل، في لحظة استثنائية من عمر الحراك الثقافي العالمي. وفي هذا الوقت بالذات، وفي هذه البقعة الجغرافية التي اعتادت وسائل الإعلام أن تصدّر منها أخبار الألم والحروب، نصرّ نحن على أن يصدّر لبنان للعالم أخبار الإبداع، وصور المبدعين والعظماء من أبنائه ومن ضيوفه الذين يزورونه في أصعب الأوقات ليرتفع صداهم من بيروت إلى الكون بأسره".
ثم كانت كلمة مقتضبة لبوريس بيريزوفسكي عبّر فيها عن سعادته الكبيرة لوجوده في لبنان، وأعلن أنها المرة الأولى التي يتشارك فيها العزف على المسرح مع ابنته، وذلك لأنه أراد أن تصنع بنفسها خطها الموسيقي. وأضاف أنه فخر كبير لهما أن يعزفا معاً في بيروت، وأن لبنان بالنسبة لابنته هو بيتها الثاني الذي تعود إليه دائمًا.
وخصيصًا لهذه المناسبة الكبيرة، تأسّس المسرح بصريًّا في الكنيسة على تقابلٍ هندسي دقيق، بيانوَان ضخمان وُضعا وجهًا لوجه على الخشبة، في تكوينٍ يعكس الرغبة في صياغة حوارية هارمونية عميقة. وعبر حجب المؤثرات البصرية وتوجيه انعكاسات الإضاءة الدافئة حصرًا على العازفَين ومفاتيح الآلتين، عُزلت القاعة تمامًا في ظلامٍ فنّي معبّر. وتميّز عزف بوريس بتوازن مذهل بين القوة الفولاذية والديناميكية التعبيرية الليّنة، ما أتاح للبنية الصوتية أن تتنفس بوضوح من دون تداخل عشوائي.
أما إفلين فكان حضورها على الخشبة البيروتية في ظل عبقرية الأب، إعلانًا صريحًا عن نضوج هوية فنية مستقلة ومكتملة الأدوات في المشهد الكلاسيكي المعاصر.
افتُتح البرنامج بـ "المتتابعة الثانية" لسيرغي رخامانينوف (1873-1943) (Suite no.2 Op.17)، وهي مصنّف يتطلب طاقة فيزيائية وفكرية هائلة لإبراز الطبقات الهارمونية الكثيفة.
وفي الشق الفرنسي من البرنامج، انتقل الثنائي إلى الانطباعية والسيولة الحسية مع رافيل وديبوسي.
واختتمت الأمسية بـ "المتتابعة الصغيرة" لكلود ديبوسي (1862-1918) (Petite Suite)، التي تميز أداؤها بالشفافية والوضوح البنيوي، لتعود الموسيقى إلى بساطتها العميقة.
وفي ذروة هذا التجلّي التاريخي، وتتويجًا لليلةٍ ستبقى محفورة في ذاكرة الإبداع اللبناني، منحت الدكتورة هبة القواس العازف الأسطوري بوريس بيريزوفسكي "زرّ المعهد الذهبي"، في التفاتةٍ تكريمية رفيعة تحمل أسمى دلالات التقدير لعطائه وتميّزه، وتوثّق هذا العبور الاستثنائي لآل بيريزوفسكي في وجدان الصرح الوطني الكبير و "المعهد العالي للموسيقى".