أنطونيو رزق

"العصا" الأميركية في وجه "المراوغة" الروسية

هل ينفد صبر ترامب من بوتين؟

5 دقائق للقراءة
لا يبدو أن بوتين في مزاج يسمح له بالنزول عن الشجرة (رويترز)

استطاع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي العودة من "النكسة الدبلوماسية" التي تعرّض لها خلال اجتماعه الكارثي الشهير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المكتب البيضوي، حيث أفضى شجارهما العلني إلى إلغاء توقيع اتفاق المعادن النادرة، ووقف واشنطن تعاونها الاستخباراتي مع كييف وإمداداتها العسكرية إليها. فهِمَ زيلينسكي أن محاولاته لإقناع ترامب بعدم جدوى الحوار مع فلاديمير بوتين، سلّطت "عصا" ترامب عليه بدلاً من الرئيس الروسي.


لذا، وافقت أوكرانيا خلال محادثاتها مع أميركا في جدة على هدنة لمدّة 30 يوماً، بالإضافة إلى الدخول في مفاوضات جدّية تهدف إلى إرساء سلام دائم مع روسيا، ما أدّى إلى متابعة واشنطن تعاونها الاستخباراتي مع كييف وإمداداتها العسكرية إليها. الآن، بات الكرملين أمام خيارَين: إمّا القبول بوقف النار وتقديم تنازلات تفسح المجال أمام سلام دائم، وإمّا الدخول في مواجهة مع ترامب.


لا يبدو أن بوتين في مزاج يسمح له بالنزول عن الشجرة، إذ يعتقد بأن وضعية القوات الروسية في الميدان تخوّله تحسين شروط بلاده التفاوضية، وبأن وقف النار الآن سيمنح أوكرانيا وقتاً ثميناً تعيد فيه ترميم جيشها وتعزيز ترسانتها. بالفعل، حقق الجيش الروسي تقدّماً مهمّاً، لكن مكلفاً، في شرق أوكرانيا وفي منطقة كورسك الروسية، التي تحتلّها أوكرانيا جزئياً منذ آب الماضي، والتي كان زيلينسكي يسعى إلى استخدام سيطرة قواته على مناطق منها كورقة مقايضة لقاء أراض أوكرانية تحتلّها روسيا.


عشية إعلان موسكو سيطرتها الكاملة على كبرى مدن كورسك، سودجا، التي كانت تشكّل مركزاً لوجيستياً حيوياً لإمداد القوات الأوكرانية في المنطقة، زار بوتين كورسك الأربعاء للمرّة الأولى منذ آب مرتدياً لباساً عسكرياً، حيث شدّد على ضرورة "هزيمة العدوّ نهائياً في كورسك في أقصر وقت ممكن".


إنطلاقاً من ذلك، أضحى منطقياً رفض بوتين، الذي استقبل الموفد الأميركي ستيف ويتكوف الخميس وسمع منه اقتراح واشنطن وسلّمه رسالة لترامب، وقف إطلاق نار فوري غير مشروط، إذ يطمح إلى استغلال رغبة ترامب في وقف الحرب بسرعة وعدم حماسة إدارته على منح أوكرانيا حزمات مساعدات عسكرية جديدة والخلافات داخل حلف "الناتو"، كي يحقق مكاسب ميدانية يعتقد أنها ستفوق ما قد يحققه من خلال قبوله الاقتراح الأميركي الحالي القاضي بوقف نار يسبق المفاوضات الجدّية حول السلام الدائم، فيما تستمرّ خلاله الإمدادات العسكرية الغربية إلى أوكرانيا.


في الوقت نفسه، لا يريد بوتين الدخول في مواجهة مع ترامب قد تفضي إلى تعويم العلاقة بين الأخير وزيلينسكي، لذا من المرجّح أن يلجأ ضابط الـ "كاي جي بي" السابق إلى التكتيك الدبلوماسي الروسي الكلاسيكي المتمثل بالمراوغة عبر إظهار نيّة في التوصّل إلى سلام والدخول في مفاوضات لامتناهية لكسب الوقت من دون تقديم أي تنازل جدّي، ما يُمكّن الروس من قطف ثمار تحسّن العلاقات مع أميركا، الذي بدأ خلال المحادثات الأميركية - الروسية في الرياض، بشكل شبه مجاني.


وبدأ بوتين بالمراوغة فعلاً، إذ قدّم تبريرات عدّة ووضع شروطاً بالغة الصعوبة لنسف الاقتراح الأميركي. رجّح "معهد دراسة الحرب" أن يشمل تصوّر بوتين لوقف النار قطع الإمدادات العسكرية الغربية عن أوكرانيا وتوقّف الأخيرة عن التجنيد وتدريب الجنود خلاله، معتبراً أن وقف نار بهذه الشروط سيؤدّي إلى تجريد كييف من قدراتها القتالية في حال تجديده لمدّة طويلة وإلى خسارة أوكرانيا والغرب ورقة ضغط مهمّة حيال الكرملين، في حين لم يبدِ بوتين أي استعداد لوقف التجنيد والصناعة العسكرية وقبول الإمدادات العسكرية من حلفائه الإقليميين والدوليين.


لوّح ترامب بـ "عصا" العقوبات في حال عرقلت موسكو جهوده لتحقيق السلام في أوكرانيا، لكن لن يكون ذلك كافياً لجعل بوتين يتنازل، إذ تأقلمت روسيا إلى حدّ كبير مع العقوبات الغربية الكثيرة المفروضة عليها منذ غزوها أوكرانيا عام 2022. سيتعيّن على ترامب عاجلاً أم آجلاً أن يضغط على روسيا عبر إمداد أوكرانيا بالأسلحة والدعم اللازم لتعزيز وضعيّتها وتثبيتها في الميدان، ما سيحطّم فائض الثقة لدى روسيا الناتج عن انتصاراتها العسكرية الأخيرة ويجعلها أكثر قابلية للتفاوض المنتج.


حتى لو عاد وقبل الكرملين بالاقتراح الأميركي الحالي، هناك حقل ألغام ينتظر ترامب في المفاوضات الهادفة إلى سلام دائم، إذ لم يكن كافياً استبعاد أميركا بشكل واضح انضمام أوكرانيا إلى "الناتو" لتبديد هواجس الكرملين، حيث تبرز إشكاليات أخرى من الصعب حلّها، أهمّها مسألة نشر قوات حفظ سلام أوروبّية كجزء من الضمانات الأمنية لكييف، الأمر الذي تدفع في اتجاهه باريس ولندن بمباركة واشنطن، بينما ترفضه موسكو بشكل مطلق. كما هناك مسألة مطالبة روسيا باعتراف أوكرانيا والغرب بضمّها لشبه جزيرة القرم وأربع مقاطعات أوكرانية أخرى، التي يُقدّر بأنها تحتوي على جزء مهمّ من ثروة أوكرانيا من المعادن النادرة، محور الاتفاق الاقتصادي المتوقع إبرامه بين واشنطن وكييف قريباً.


يرى مراقبون أن ترامب لن يصبر كثيراً على مراوغات بوتين وسيبدأ قريباً بالضغط الجدّي عليه لجعله يتنازل عن شروطه التعجيزية التي لا تعكس الواقع الميداني، إذ يتكبّد الكرملين خسائر فادحة في العديد والعتاد، رغم تحقيقه تقدّماً، ما فرض عليه خلال الفترة السابقة الاستعانة بجنود كوريين شماليين للقتال في كورسك. تعهّد ترامب بتحقيق السلام سريعاً في أوكرانيا خلال حملته الانتخابية ويسعى جاهداً إلى التوصّل إلى ذلك، لذا لن يسمح لبوتين بعرقلة طريقه نحو جائزة "نوبل للسلام".


هذا يُحتّم على ترامب تمكين أوكرانيا من فرض واقع على الأرض يجرّ روسيا إلى طاولة المفاوضات، وأن يمنح كييف، إلى جانب الاتفاق الاقتصادي، ضمانات أمنية أميركية تسهّل تأمين استقرار أوكرانيا، ما سيسمح لأميركا بالاستفادة من الاتفاق الاقتصادي، الذي أفاد "مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية" بأن تنفيذه مرتبط بوجود بيئة مستقرّة أمنياً لمدّة طويلة.