بعد الغارات الأميركية على اليمن التي بدأت السبت، وتوعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام "القوة المميتة" ضدّ الحوثيين، بدأت الصورة تتضح أكثر، سواء في ما يتعلّق بمستقبل إيران أو بمصير وقف إطلاق النار في أوكرانيا. يمكن القول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يتمكّن من الاستمرار في تبنّي خطابه المزدوج أو ما يُعرف بعقيدة "ماسكيروفكا".
"ماسكيروفكا"، التي تعني "التنكّر" باللغة الروسية، هي نهج تبنّاه الروس، بمن فيهم بوتين، على مدى قرون في المواجهات العسكرية والسياسية. تعني هذه الكلمة "الإخفاء"، وهو وصف دقيق لتكتيك يعتمد بالكامل على تضليل الخصوم، والمبالغة في إظهار القوة، والكذب الصريح في شأن الأفعال، سواء التي وقعت أو التي لم تقع. بكلّ بساطة، تهدف "ماسكيروفكا" إلى إبقاء الخصوم في حالة دائمة من عدم التوازن، ودفعهم إلى التخمين المستمرّ في شأن ما تنوي موسكو فعله حقاً.
لكن بعد تصريح بوتين في شأن المقترح الأميركي لوقف النار ما بين روسيا وأوكرانيا، والذي أعلن فيه موافقته على إنهاء الأعمال العدائية في أوكرانيا شريطة أن يؤدي إلى سلام طويل الأمد، باتت المواجهة تبدو وكأنها مباشرة بين بوتين وترامب. من جهة أخرى، تزايدت الانتقادات الموجّهة للرئيس الأميركي، واصفةً إيّاه بقلّة الخبرة في التفاوض، إذ إن من يستعدّ للتفاوض لا يكشف أوراقه مسبقاً للطرف المقابل.
قد يكون هذا صحيحاً وفقاً للدبلوماسية التقليدية، لكنه لا ينطبق على أسلوب ترامب التفاوضي. فإذا كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي غير قادر على الاستمرار من دون دعم غربي، فإن بوتين أيضاً بحاجة إلى متنفس اقتصادي بعد سنوات من العقوبات. وكما لا يمكن لبوتين أن يبدو ضعيفاً، لا يمكن لترامب أن يتراجع، خصوصاً بعد تصريحه بأن روسيا لا تملك أي أوراق في محادثات السلام المحتملة، وهو ما شكّل إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة أدارت ظهرها لموسكو. لذلك، وبالتوازي مع المفاوضات الجارية خلف الكواليس، بدأ ترامب في تكثيف الضغوط الحقيقية على بوتين.
بالفعل، شدّدت إدارة ترامب العقوبات المفروضة على صناعة النفط والغاز الروسية في 13 آذار، عبر عدم تجديد الإعفاء الذي كان يتيح للبنوك الروسية الوصول إلى أنظمة الدفع الأميركية لإجراء معاملات الطاقة. وجاءت هذه الخطوة عقب تصريح ترامب في 7 آذار بأنه يدرس فرض عقوبات مصرفية شاملة ورسوم جمركية على روسيا، إلى حين التوصّل إلى وقف للنار واتفاق سلام. كما حظرت العقوبات التعاملات بالدولار مع شركات الطاقة الروسية مثل Gazprom Neft وSurgutneftegas، إضافة إلى 183 سفينة شاركت في شحن النفط الروسي، بما في ذلك العديد من السفن التابعة لما يُعرف بـ "أسطول الشبح"، الذي يضم ناقلات قديمة تديرها شركات غير غربية.
في الوقت ذاته، تدرس الخزانة الأميركية فرض عقوبات على شركات خدمات حقول النفط الروسية، إلى جانب أكثر من 100 كيان روسي آخر وأكثر من 150 فرداً. وتستهدف هذه الإجراءات أطرافاً محدّدة كمنتجين ومصدّرين ومستوردين لمُنتجات تُعدّ أساسية للقاعدة الصناعية العسكرية الروسية. والأهمّ أن هذه العقوبات حظيت بدعم الاتحاد الأوروبي.
حتى الآن، كلّفت العقوبات الأميركية الأخيرة روسيا أكثر من 50 مليار دولار، ما يعكس الجانب الاقتصادي من تهديد ترامب غير المباشر. أمّا الجانب الآخر، فقد يتمثّل في زيادة إمدادات المساعدات العسكرية لأوكرانيا بشكل كبير، ومنح الجيش الأوكراني ما لم يمنحه بايدن، أي رفع القيود عن استخدام الأسلحة الأميركية لضرب الداخل الروسي.
هل سيتراجع بوتين الحريص على عدم تعريض علاقته بترامب للخطر؟ ليس من الصعب فكّ شفرة لغته، ولا سيّما إذا أضفنا إلى تبنّيه عقيدة "ماسكيروفكا" إيمانه أيضاً بنصيحة لينين: "أنت تستطلع بالحِراب، فإذا وجدتَ طراوةً، تواصل التقدّم. وإذا وجدتَ صلابةً، تتراجع". بوتين يدرك أن ترامب الغاضب قد يكون أكثر خطورة على روسيا، تحديداً لأنه لا يلتزم بالحدود المعتادة.