جوزيف حبيب

ترامب يقصد "سلّة أهداف" بضرب الحوثيين

هدير المقاتلات فوق اليمن يُسمع في طهران

5 دقائق للقراءة
مقاتلة أميركية تتهيّأ للمشاركة بقصف مواقع حوثية (القيادة الوسطى)

أطلقت أميركا موسماً جديداً من مسلسل تقطيع أذرع "الأخطبوط الإيراني" لتستكمل مهمّة حليفتها إسرائيل بجرف ما لم تجرفه بعد تداعيات "طوفان الأقصى" من قادة وتنظيمات، خلال حملة "تصفية الحسابات" الإسرائيلية التي قلبت موازين القوى في المنطقة رأساً على عقب بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023. وبينما غدت الأذرع الإيرانية إمّا معطوبة وإمّا مقيّدة اليدين، بقي "الذراع الحوثي" الأكثر قدرة على الحركة على المسرح الإقليمي، فعمد الأسبوع الماضي إلى شهر سيف استئناف هجماته على ممرّات الشحن في البحر الأحمر. لكن شهية الحوثيين على المغامرة اصطدمت هذه المرّة بحسابات "العم سام" الجيوسياسية، فسارع الأخير بالمبادرة موجّهاً صفعات مدوّية لمواقع المتمرّدين ومقرّات قياداتهم، متوعّداً باستكمال استخدام "العصا الغليظة" حتى يرفع "أنصار الله" العشرة، وعودة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها.


أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة جوّية وبحريّة ضدّ الحوثيين في اليمن، بغية تحقيق أكثر من هدف لواشنطن وحلفائها. فهو في الظاهر يُقلّم أظافر المتمرّدين اليمنيين لتأمين حرّية الملاحة، وعلى أهمّية هذا الهدف، يتطلّع سيّد البيت الأبيض بشكل أساسي إلى بعث رسالة شديدة اللهجة إلى طهران، ولم يتردّد في التعبير عن ذلك علانية عند إعلانه شنّ غارات على اليمن. يعمد ترامب إلى إضعاف أحد آخر أذرع طهران نشاطاً في المنطقة، ما يُعبّد الطريق جذرياً أمام بلاده والدولة العبرية لضرب إيران مباشرة، إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك مستقبلاً بعد استنفاد السُبل الدبلوماسية. و"كسر ظهر" الحوثي يُعرّي إيران أكثر على "رقعة الشطرنج" الشرق أوسطية ويُفقدها آخر بيادقها الذي ما زال في الخدمة.


هذا الأمر يجعل نظام الجمهورية الإسلامية أمام خيارَين أحلاهما مرّ: إمّا الذهاب إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، وإمّا الاستمرار بنهج "التعنّت الدبلوماسي" الذي قد يفتح أبواب الجحيم على الملالي، إن من الداخل حيث الأرض مهيّأة للاشتعال "الثوري" السريع تحت وطأة تشديد "الضغوط القصوى"، وإن من تل أبيب الساعية إلى حسم مواجهاتها الإقليمية بقطع "رأس الأفعى"، وفق التوصيف الإسرائيلي. يُجمع الخبراء على أن ترامب يُريد استخدام الحوثيين لجلب طهران إلى طاولة "المفاوضات النووية" والضغط على موسكو للمساهمة في تحقيق هذا الأمر، موضحين أن الرئيس الأميركي يستخدم "اللغة التي يفهمها الحوثيون وحلفاؤهم" لإنزالهم عن "الشجرة الشاهقة"، فضلاً عن أنه يُرسل "إشارات قوّة" لروسيا بأنه عاقد العزم على الذهاب بعيداً مع كلّ من يقف في وجه مساعيه للسلام.


لا يبدو أن الحوثيين في طريقهم للتراجع، بل على العكس تماماً، إذ رفع زعيمهم عبد الملك الحوثي سقف التحدّي بتهديده واشنطن بأن حظر الملاحة في البحر الأحمر سيشمل السفن الأميركية إلى جانب الإسرائيلية. وفيما زعم الحوثيون بأنهم استهدفوا حاملة الطائرات الأميركية "هاري ترومان" وسفنها الحربية بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ردّاً على الضربات الأميركية، يجزم الخبراء بأن الحوثيين سيُحاولون التصعيد على قدر إمكاناتهم، لكن يبقى هامش ردّهم مرتبطاً بحجم الحملة الأميركية وفعاليّتها، مؤكدين أن أكثر ما قد يؤذي الحوثيين في الصميم هو اغتيال قادة الصفّيْن الأوّل والثاني لديهم، في وقت تحدّث فيه الأميركيون عن استهداف العديد من قادة الحوثيين وقتلهم، من دون الكشف عن أسماء هؤلاء القادة.


صحيح أن الحوثيين مقاتلون جبليّون أشدّاء يبغون "الشهادة" وباستطاعتهم تحمّل الصعاب، بيد أن قدرتهم على تذوّق اللكمات القاسية للقيادة الوسطى الأميركية لها حدود، علماً أن واشنطن لا تهدف إلى سحقهم، بل إلى تقزيم دورهم، وهذه غاية تستطيع أميركا بلوغها بتكثيف حملتها التي قد تستمرّ لأسابيع. التوقيت الأميركي للحملة العسكرية لا يصبّ في مصلحة الحوثيين إطلاقاً، فلقد استحالوا بمفردهم في "ساحة المواجهة" بعدما فُكّكت "وحدة الساحات" بـ "الحديد والنار". وكان لافتاً الردّ الإيراني على الأميركيين الذين أمروا طهران بوقف دعم الحوثيين وإلّا واجهت عواقب امتناعها عن ذلك، بحيث ادّعى قائد "الحرس الثوري" حسين سلامي أن "الحوثيين يتخذون قراراتهم الاستراتيجية بأنفسهم"!


كما كان معبّراً تزامن انقضاض "النسر الأصلع" على الحوثيين بإجراء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي محادثات مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي في مسقط، لـ "تهيئة الظروف الداعمة للحلول الدبلوماسية" و"استخدام قنوات الحوار والوسائل السلمية لمعالجة القضايا وتخفيف التوترات"، وفق ما نقلت عن الوزيرَين الوكالة الرسمية للسلطنة، التي غالباً ما تؤدّي دوراً دبلوماسياً محايداً لإجراء مفاوضات سرّية أو علانية بين واشنطن وطهران.


أمّا الأذرع المنكوبة، فلا تقوى سوى على إصدار بيانات الاستنكار والتضامن المعنوي مع الحوثيين، في حين لفت أنظار الخبراء تخفي فصائل عراقية مسلّحة، هي تحت المجهر الأميركي، خلف أسماء جديدة لإصدار تسجيلات تدعو إلى "الدفاع عن اليمن"، معتبرين أن حال الوهن الذي وصلت إليه هذه الفصائل يحول دون دخولها في مواجهة مكلفة للغاية مع أميركا، فاختارت التستّر خلف مسمّيات جديدة لحفظ ماء وجهها وإطلاق مواقف داعمة للحوثيين، لا تنفع هؤلاء بشيء. يُدشّن ترامب مرحلة جديدة في "الكباش الاستراتيجي" مع إيران، حيث يستقصد أن يُسمع هدير المقاتلات والمدمّرات الأميركية في غزة ولبنان والعراق وصولاً إلى الملالي في طهران.