ماريو ملكون

من تعديل 1992 إلى تعديل 2025: ضرب التمثيل المسيحي!

5 دقائق للقراءة

بعد أن نجح قانون 2017 الانتخابي، أي المعمول به حاليًا في الانتخابات النيابية، والقائم على النظام النسبي مع صوت تفضيلي واحد، في الحدّ بعض الشيء من تركة النظام السوري التي أضافت 20 مقعدًا نيابيًا بعد اتفاق الطائف، والتي كان الهدف منها تمتين الهيمنة على القرار اللبناني عبر ضرب التمثيل الحقيقي للمسيحيين، راجع https://www.nidaalwatan.com/article/71016، ها هي طروحات محور الممانعة المتهالك تنهمر من كل حدب وصوب لمحاولة اسقاط مفاعيل القانون الحالي عبر طروحات هجينة، ظاهرها ادعاء "الانصهار الوطني"، لكن باطنها تقويض كل ما يمتّ لهذا الانصهار بصلة.


آخر تلك الطروحات، ما أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه بري، في حديث صحفي بتاريخ 4 الجاري، عن تعديل على القانون الانتخابي باستبدال الصوت التفضيلي الواحد بصوتين. وتاليًا، استعراض لبعض الأمثلة عن كيفية تأثير هذا التعديل على تمثيل المكوّنات اللبنانية، لو تمّ اسقاطه على نتائج انتخابات 2022.


في دائرة جبل لبنان الأولى، جبيل - كسروان، لو قام التيار الوطني الحر بمنح الصوتين لمرشّحيه سيمون أبي رميا ووليد خوري وقرّر حزب الله أن يقسم أصواته التفضيلية الثانية والتي منحها أولا لمرشحه رائد برو، مناصفة بين مرشّحي "التيار"، لكان نال أبي رميا وخوري 15142 لكلّ منهما، وبقي برو على 9508، مقابل نيل مرشّحي لائحة "القوات" المارونيين في جبيل زياد حواط وحبيب بركات، لو اعتمدا تبدال الأصوات التفضيلية إضافة إلى تجيير المرشح الشيعي محمود عواد أصواته التفضيلية الثانية كاملة لصالح حواط، لكان نال الأخير 14057، وبالتالي لكان تمكّن حزب الله من إنجاح مرشّحي "التيار" على حساب النائب حواط، أي نيل "التيار" مقعدين نيابيين في جبيل مقابل 10388 صوتًا، في حين أنّ "القوات" مقابل 13549 صوتا لم تستطع أن تحجز مقعدا واحدا لصالح الخيار المسيحي الأول في جبيل أي النائب حواط، والأمر نفسه قد ينعكس على المرشح الذي تصدّر لائحة الفائزين في كسروان أي النائب ندى البستاني والتي قد تخسر مقعدها إن لم تستطع تخطّي نسبة برو، ما يعني أنّ "لعبة التفضيلي الثاني" كانت لتُطيح بالخيار المسيحي الأول في كسروان وجبيل على السواء، مع العلم أنّ هذا التعديل المقترح لا يؤثّر على حواصل اللوائح، ولكن يؤثّر على ترتيب المرشّحين وعلى هويّة الفائزين خاصة في الدوائر المركبة من أكثر من دائرة صغرى.


في دائرة البقاع الثالثة، بعلبك - الهرمل، يُتيح التعديل المطروح لحزب الله تقويض الخيار المسيحي الأول الذي تمثّل بتجيير ساحق لصالح النائب أنطون حبشي، عبر تركيز الأصوات التفضيلية الشيعية الثانية لصالح المرشّح الماروني على لائحة "الثنائي " عقيد حدشيتي، والذي نال في حينها 4767، في حين أنّ النائب حبشي نال 17000 صوتًا منفردًا.


في دائرة الجنوب الثالثة، بنت جبيل – النبطية – مرجعيون – حاصبيا، نالت لائحة "معًا نحو التغيير"، التي فاز عنها النائب الياس جراده والنائب فراس حمدان، مجموع 30384 صوتًا تفضيليًا، مقابل 197822 للائحة "الثنائي الشيعي"، ويستطيع الأخير أن يُجيّر جزءًا من أصواته التفضيلية الثانية لصالح المرشح الأرثوذكسي على لائحته أسعد حردان ليؤمّن فوزه مع العلم أنّه نال 1859، ليُطيح بالنائب جراده والذي نال 9218.


في دائرة البقاع الأولى، زحلة، يستطيع تحالف "الثنائي – التيار"، أن يتخلّى عن المقعد الماروني أو الأرمني ويُجيّر أصواته التفضيلية الثانية لصالح مرشّحه الكاثوليكي، لرمزية المقعدين الكاثوليكيين في هذه الدائرة، وبالتالي يُمكن له أن يُنجح مرشّحه ربيع عاصي الذي نال 148 صوتًا فقط، على حساب النائب الكاثوليكي الثاني ميشال ضاهر الذي نال 9229 صوتًا، مع العلم أنّ النائب جورج عقيص قد نال 11921 صوتًا ولكن مجمل أصوات "القوات" في الدائرة تُمكّنه من تحصين موقعه على عكس ضاهر، وذلك وفق أرقام انتخابات 2022، ما يعني من جديد إجهاض خيارات المسيحيين الأولى في الدوائر.


ما سبق ذكره، لا يقتصر على فقط على الخيارات المسيحية، فالأمر يمكن أن يتعدّاه في مجمل الدوائر ذات الاقتراع المختلط أو التركيب غير الآحادي أي لأكثر من دائرة صغرى، وحتمًا يطال طوائف متعددة عبر التأثير على خياراتها، أكان على سبيل المثال لا الحصر المقاعد الدرزية في بعبدا، البقاع الغربي – راشيا وبيروت الثانية والجنوب الثالثة، أو المقاعد السنية في دوائر البقاع الثالثة خاصة مع توزّع الأصوات السنية في زحلة، أو مقعدا سنيًا من المقاعد الستة في بيروت الثانية.


لا شك أنّ التعديل المطروح يُتيح لبعض القوى المنظمة انتخابيًا أن تقوم هي الأخرى بعملية قنص محدّد في الكمّ والمكان لمقعد من هنا لغير طائفة أو مقعد من هناك، لكن هل هكذا يصحّ التمثيل؟ هل بإعادة تقويض التمثيل الحقيقي الذي أتاحه نسبيًا قانون 2017 وتحديدًا التمثيل المسيحي، يستقيم التوازن والانصهار والشراكة والدستور؟ فإن كان لا بدّ من تعديل، وعوض محاولة إعادة تكريس التركة الأسدية، عبر طرح تعديل مشبوه في توقيته ليدخل في لعبة التوازن السياسي ردًّا على المطالبات السيادية بتطبيق قرار نزع السلاح الذي أقرّته الحكومة وكرّره خطاب القسم وذكره البيان الوزاري، إنّ المطلوب تصحيح خطأ تعديل 1992 والعودة إلى 108 مقاعد نيابية توازيًا مع تصحيح خطأ فصل الاغتراب اللبناني عن الداخل عبر ابتداع دائرة انتخابية خارجية هجينة، وليس الذهاب مرّة لطرح لبنان دائرة انتخابية واحدة، ومرّة بإلغاء الطائفية السياسية، والهدف واحد وهو الإطاحة بالمناصفة التمثيلية وتكريس "العددية" تحت مُسمّى "الديمقراطية".