كنا حشداً جمعنا فراق المحترم الأب الياس العنداري. بعض رافق مسيرته، آخرون أرادوا التعبير عن تقديرهم لما يزيد عن ستة عقود في خدمة الكنيسة ولبنان، ربما كان أبرزها رفع سيدة المعونات- جبيل، من مستوصف طبي إلى مستشفى جامعي.
حسبنا لمعرفة حجم ذاك الإنجاز ذكر ظروف تحقيقه. كنا في بدايات الحرب الأهلية التي نقلت التشنّج الدائم بين شعب لبنان إلى حرب ضارية بين المسيحيين والمسلمين تحت ذرائع اختلفت باختلاف الأحقاب لكنها، برأيي، في جوهرها تعود إلى ممارسة مسيحيي لبنان ما يعتبره الآخرون خروجاً عن "أحكام أهل الذمة".
ابتدأت العمليات العسكرية بحصار القسم المسيحي من بيروت فاصلة إيّاه عن امتداده داخل لبنان. والعاصمة آنذاك كانت المركز الوحيد لكل قرار سياسي ومقرّ جميع الجامعات والمؤسسات الطبية الكبرى، إضافة إلى مقرّ المؤسسات المصرفية والتجارية الرئيسية.
تقطيع أوصال لبنان حال دون استفادة الكثير من المواطنين من خدمات تعليمية، وخاصة طبية، إضافة إلى أن الكثير من الأطباء لم يكن لهم سبيل للوصول إلى مراكز عملهم في مستشفيات العاصمة إذ اقتضى ترحالهم المرور بحواجز مسلّحين لا ضابط لتصرفاتهم.
الأب العنداري أثبت أنه صاحب رؤية وموهبة إقناع أدّت إلى تحقيق حلمه بإنشاء أول مركز طبي جامعي خارج بيروت. حتى عملية تجهيز المركز لم تكن عسيرة عليه لما تمتّع به الأب العنداري من ثقة وأمانة. خلال سنين قليلة اجتمع في مستشفى سيدة المعونات حشد من خيرة الأطباء خاصة بعد توقيع عقود مع كبرى كليات الطب للإشراف على المرضى ومعاينتهم وبات المركز مستشفى جامعياً. لا بدّ من الإشارة إلى أن بروز مستشفى جامعي في جبيل نقل المكان من بلدة متواضعة إلى ما تراه اليوم مقراً لعدة جامعات طليعية ومركزاً تجارياً وسياحياً بارزاً.
كما تحتسب للمحترم الأب الياس العنداري أيضاً جهوده في إدارة أديرة رئيسية والإشراف على مدارسها وانتدابه لمهام في أفريقيا وفي الأراضي المقدسة، بذل فيها جميعاً جهداً كان محلّ تقدير.
لكنّ أياً مما سردنا لا يضاهي، وحتى يقرب، من صفات توفرت بالمحترم الأب العنداري. إنها مسيحيّته. المسيحية تلزم من ينتمي إليها بلائحة طويلة من تصرّفات تختلف، وكثيراً ما تتضارب، مع أعراف العالم. الإيمان والرجاء والمحبة والإحسان والغفران شروط ملزمة على كل مسيحي، هي صفات لازمت فقيدنا إذ يشهد اللّه أنني وطوال عقود من المعرفة الوثيقة بالمحترم الأب الياس العنداري، لا أذكر مرة واحدة طال بلسانه أحداً.
ثم من أخلاق المسيحي الشجاعة. لا أخال طاغية لا حدود لاستبداده يخشى أحداً إلا المسيحي المؤمن. الطغيان والاستبداد يقومان على الإرهاب والترغيب. إرهاب الجميع بقدرة الطاغية على إزهاق الأرواح، والترغيب في وفرة عطائه. المسيحي، على خطى الرسول بولس، لا يخشى الموت "لأن الحياة لي هي المسيح والموت لي ربح" لوقا 14 : 11 إضافة إلى أن لا شيء في العالم يغريه. حسبنا أن ندرك أن كل استعارات "العالم" واشتقاقاتها في الكتاب المقدس تتراوح بين الحيادية، وهي قليلة، والسلبية وهي الغالبة. "سيكرهكم العالم لأجل اسمي"، "ثقوا فقد غلبت العالم". فالمسيحي، بعزوفه عن العالم، لا سبيل لإغرائه، كما أن الموت لن يخيفه.
شجاعة المسيحي ومواجهته الطغيان انتشرتا عبر التاريخ المسيحي من الرسل فالآباء عبر العصور حتى يومنا. ففي القرن العشرين وقف البطريرك تيخون في وجه الحكم الشيوعي من كرسيه في موسكو ووصف الشيوعيين بـ "وحوش الجنس البشري". في مونستر، بعد تيخون بعقد، دوّى صوت الكاردينال فون غالن مندّداً بتصرفات أدولف هتلر والنازيين.
كان لمسيحيي الشرق نمط آخر. الأكثرية الغالبة عبر دار الإسلام استسلمت لنظام الذمة وتكيّفت معه. ثمة استثناء وحيد تراجع جداً في السنوات الأخيرة. ذاك كان جبل لبنان حيث حمى فقر الموارد والطبيعة الوعرة، السكان من غزو الخارج فغلب على المجتمع الماروني عبر قرون شموخ افتقده مسيحيو الشرق لا يتماشى قط مع الذمية.
لكن هذه الصفة التي بدأت معهم في الشرق، ونشروها على امتداد لبنان أثناء إدارة شؤون دولة لبنان الكبير، بدأت بالتآكل شيئاً فشيئاً حتى قاربت ذميّة مسيحيي الشرق وأحياناً فاقتها مذلّة.
أليس من الذميّة "عمرة" وفد من كنائس البقاع إلى معسكر تدريب لـ "حزب اللّه" في مليتا عام 2023 ؟ ثم ماذا عن وفد راهبات يقرأن "الفاتحة" أثناء واجب تعزية؟ من منا لم يرَ صبية مارونية تستر شعرها و "تتعبّد" بخشوع أمام تمثال قاسم سليماني، ثم ترسم إشارة الصليب وتمضي؟
من نكرّم كان له موقف آخر. انتمى إلى الفترة الذهبية في تاريخ موارنة لبنان قبل انهيار كرامتهم في العقود الأخيرة.
من صفات المسيحي أيضاً التواضع. ما سمعته مرة يتشاوف بما صنع أو قال أو كتب. التواضع ليس من صفات شعبنا في لبنان، خاصة المسيحيين. المُستثنى منهم كان الأب العنداري. كل ما عرفت عن مواقفه سرى إلينا عبر تسجيلات قامت بها خفية عنه إحدى الزميلات.
مرجع تواضع الأب العنداري تعاليم المسيح. أبلغ وصف لفرض التواضع على المسيحي ما جاء في لوقا 11:14 "لأن كل من رفع نفسه وضعها، وكل من وضع نفسه رفعها".
المحترم الأب الياس العنداري اجتمعت به صفات ما ذكرتُ إلا بعضها. إنه الآن في حال "ربح" مع الموت و "حياة مع المسيح".