مي ابو زور

الزيارات الدينية بين الحلال الديني والحرام السّياسي

5 دقائق للقراءة

تنتشر طائفة الموحّدين الدروز في سوريا، لبنان، فلسطين والأردن، وتُعرف بلحمة أبنائها وتماسكهم وبوحدتها، إذ لا توفر فرصة للّقاء ولم شملها على الرّغم من المسافات والظروف السياسية التي تحيط بها.



تحظى المقامات الدينية بمكانة خاصة لدى الطائفة الدرزية، وهي بالعشرات على امتداد الجغرافيا التي قطنها الدروز في بلاد الشام. تشكل زيارة مقام «النبي شعيب» في إسرائيل خلال شهر نيسان من كل عام، تقليداً سنوياً يجمع المشايخ والمتدينين الدروز، ليمارسوا طقوسهم الدينية في هذا المقام الشهير.



الزيارة هذه السنة كانت مختلفة، ربما توقيت إعلان الزيارة، أثار ريبة البعض، إضافة إلى ظروف الإعلان عنها والتعديل الجديد الذي سمح لمشايخ مناطق جبل الشيخ السورية بالزيارة.



فقد انقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض للزيارة التي لم تكن الأولى من نوعها. وتعليقاً على الزيارة، يقول رئيس «الحركة اليسارية اللبنانية» منير بركات عبر «نداء الوطن»، ثمة تفاعل وتعاطف ديني بين الموحدين الدروز في لبنان وفلسطين والأردن وسوريا، وكل المزارات الدينية الموجودة، تكون محطة لجميع الدروز، نظراً إلى أهميتها وقدسيتها. ولكن الخطأ في الزيارة التي حصلت، يكمن في توقيتها وظروفها، الأمر الذي أعطاها طابعاً سياسياً بشكل غير مباشر، واعتبر أن تشريع العلاقات من خلال الزيارات الدينية أمر غير مقبول».



صحيح أن الزيارات حصلت منذ 50 سنة، عام 1973، لتتجدّد هذه السنة، لكن هل كانت العلاقة مقطوعة بين الموحّدين كل هذه الفترة؟



في العام 1982 زار فضيلة الشيخ أمين طريف رحمه الله، لبنان على رأس وفد من مشايخ فلسطين ليتفقد أحوال الدروز في الجبل، وسط استقبال حاشد لم يحصل لأحد من قبله، يومها أطلق عليه المشايخ لقب «شيخ الجزيرة».



في العام 1990 زار فضيلتهُ لبنان أيضاً وحل ضيفاً على أهل حاصبيا وعلى خلوات البياضة حيث افتتح خلوة الصفدية والتي أصبحت في ما بعد مقراً لأبناء الطائفة أبناء هذا البلد الذين يتعلمون الدين أو يستكملون علومهم الدينية في الخلوات.


في العام 2018 عاد مشايخ شمال فلسطين إلى دمشق في زيارة دينية بمناسبة إحياء عيد النبي هابيل في مقامه الأثري، بعد 8 سنوات على بدء الحرب في سوريا، وكان في استقبالهم رئيس الحزب الديمقراطي طلال أرسلان ومشايخ الموحّدين الدروز، من جبل العرب وجبل الشيخ وجبل السماق وجبل لبنان. ومن مقام النبي هابيل، انتقل الزوّار إلى ضريح الجندي المجهول فوق جبل قاسيون.



وفي العام 2020 زار وفد من مشايخ فلسطين سوريا، وعرّج على جبل لبنان، يومها التقى مشايخ دروز، منهم فضيلة الشيخ يوسف أمين الصايغ، والشيخ أبو محمد جواد ولّي الدين ومقامات في جبل لبنان والمتن. وفي العام نفسه، زار وفد من مشايخ الجولان وفلسطين ولبنان، محافظة السويداء. فهل كانت تلك الزيارات بمبادرة فردية، تعبر الحدود بين إسرائيل وسوريا عن طريق دمشق ـــ عمّان ومعبر القنيطرة؟



لرجال الدّين في الشرق امتياز بزيارة الأراضي المقدسة

لرجال الدين في الشرق وبحكم مهامهم الدينية، خاصية زيارة الأراضي الفلسطينية، وذلك بموجب اتفاق ضمني بين السلطات الدينية والسياسية وفق شروط وضوابط تُحدّد من الجهتين وليس الأمر محصوراً بطائفة واحدة فقط.



يعطي الفاتيكان والبطريركية المارونية امتيازاً لممثّليهما في الأراضي المقدسة لزيارتها والاهتمام بشؤون رعيتها هناك، والتنقل بين لبنان وإسرائيل بحكم مهامهم وبترخيص من الدولة اللبنانية.



فعلى الرغم من أن راعي أبرشية حيفا وتوابعها المطران موسى الحاج، يتولى رئاسة أبرشية الموارنة في الأراضي المقدسة استناداً إلى كتاب من البطريركية المارونية، وعليه فهو ممثل للكنيسة والفاتيكان، لم تسلم مهمته الدينية ورسالته السامية بمتابعة شؤون رعيته والاهتمام بها من التجاذبات السياسية في لبنان وجعلها «شماعة» لتصفية حسابات سياسية مع البطريركية المارونية في لبنان.



علماً أن هذين الامتياز والإذن تم إعطاؤهما من الأمن العام اللبناني، استناداً إلى مذكرة أصدرها عام 2006 تسمح للمطارنة بالمرور عبر الحدود وتلزم الدولة اللبنانية الالتزام بها. ويتم إبلاغ كتاب الأمن العام وكتاب البطريركية إلى «اليونيفيل» للتنسيق والتعاون وتسهيل عملية انتقال المطران.



تجدر الإشارة إلى أن الإرشاد الرسولي الذي صدر عام 2012، طالب قداسة البابا الراحل بندكتوس السادس عشر، برفع الحواجز أمام جميع المؤمنين من يهود ومسيحيين ومسلمين، لزيارة الأماكن المقدسّة، للتأكيد على أن لا أحد يستطيع احتكار التمثيل الديني.



في النهاية تبقى السياسة الداء الذي ينتشر في الجسم لضربه بالكامل حتى وصلت إلى ما يخص الخالق فالدين لم يسلم من زجّه في الزواريب السياسية للوصول إلى أهداف لا تخدم سوى فئة من الناس لا تبالي إلّا بمصالحها، فاستعمال الدين لإرسال رسائل سياسية بات الطريقة الوحيدة لمن لا يملك الحجّة والحق في قضيته.



 المبالغة في ردود الفعل على هذه الزيارت الدينية التي يسمح بها القانون وحملات التخوين، ليست إلا تصويباً مفتعلاً للاستثمار السياسي والشعبوية. من هنا تزداد الحاجة إلى فصل السياسة عن الدين والتركيز، بعيداً من تخوين من يمارس شعائره الدينية.