زائدة الكنج الدندشي

"الأمن القومي" في سوريا بين إرث الماضي ورهان المستقبل

4 دقائق للقراءة

لطالما ارتبط اسم مكتب الأمن القومي في سوريا بقبضة السلطة الحديدية وأدوات القمع التي رسّخت حكم آل الأسد لعقود. ومع تغيّر المشهد السياسي وإصدار المرسوم الجديد القاضي بتشكيل مجلس الأمن القومي، تترقب الأنظار ما إذا كان هذا المجلس سيعيد إنتاج الأساليب القديمة أم سيمثل خطوة نحو دولة تحترم القانون وتفصل بين السلطات.


تأسّس مكتب الأمن القومي في سوريا عام 1966 وكان برئاسة "حزب البعث" بعد الانقلاب الذي جرى عام 1963. وبعد تفجير خليّة الأزمة، الذي طال أهمّ قيادات الحكم في سوريا عام 2012، أصدر الرئيس المخلوع بشار الأسد آنذاك عدة قرارات، منها تشكيل مكتب الأمن "الوطني" بدلاً من الأمن "القومي"، وبات برئاسة علي مملوك، الذي كان معروفاً أنه الذراع اليمنى لبشار، ومكتبه مرتبط مباشرة بمكتب رئاسة الجمهورية.


كان المكتب يشرف على أجهزة الاستخبارات الأربعة الرئيسية، وهي الاستخبارات الجوّية، إدارة الأمن العسكري، أمن الدولة والأمن السياسي. ويتفرّع عن تلك الأجهزة أكثر من 50 فرعاً كلّها تحت إشرافه.


ارتكب المكتب القديم الكثير من الانتهاكات والجرائم بحق الشعب السوري منذ عهد الأب حافظ الأسد وصولاً إلى عهد الابن المخلوع بشار، فكان المكتب يصدر بطاقات يستطيع أي شخص أن يحصل عليها مقابل مبلغ مالي، وبعد الحصول عليها، يستطيع "التشبيح"، كونه يحمل هذه البطاقة التي تعطيه سلطة يبتز فيها المواطنين عبر "تعفيش" بيوتهم وسرقة أموالهم، وكان مَن يحمل هذه البطاقة صاحب الصولة والجولة في منطقته. كلّ من ترأس المكتب القديم، بدءاً من محمد ديب زيتون، مروراً بكفاح ملحم، وصولاً إلى علي مملوك، مارسوا من خلاله البطش والعنف ضدّ كلّ مكونات الشعب السوري.


وبعدما انقلبت الأمور وجرى تحرير سوريا من حكم الأسد البائِد، أصدر الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مرسوماً يحمل رقم 5/2025 ويقضي بتشكيل مجلس الأمن القومي الجديد، فهل يكون هذا المجلس كما القديم وجهان لعملة واحدة، أم سيحكم بالعدل ويحترم مبدأ فصل السلطات؟


في حديث لـ "نداء الوطن"، يقول المحامي السوري محمد التباع من دمشق إن "مكتب الأمن الوطني القديم كان يتسلّم تقارير شهرية بأعمال كلّ فروع الأمن في سوريا، حيث ينسق بين فروع الأمن ويرسل هذه التقارير إلى مكتب رئاسة الجمهورية"، موضحاً أن "مجلس الأمن القومي الجديد لديه نفس صلاحيات المكتب القديم، ومهمّته أن ينظر في الأوضاع السياسية في البلد والتحديات التي تواجهه بهدف حمايته من المخاطر".


ويشير التباع إلى أن "مهام المجلس يحدّدها رئيس الجمهورية"، لافتاً إلى أن "المجلس يتدخل في القرارات السياسية، إذ إن أعضاءه هم السلطة الحاكمة في البلاد"، بحيث يتكوّن من وزراء الخارجية والدفاع والداخلية، ومدير الاستخبارات، بالإضافة إلى استشاريَّيْن وتقني، وجميعهم مرتبطون برئيس الجمهورية.


أمّا بالنسبة إلى القرارات القضائية، فيعتبر التباع أنه، حسب "الإعلان الدستوري" الذي صدر منذ أيّام، "لا يحق للمجلس التدخل في تلك السلطة احتراماً لمبدأ فصل السلطات، هذا إن اعتمدنا مبدأ الديمقراطية"، مشيراً إلى أن "النظام البائِد كان يتدخل في كلّ القرارات، سواء كانت سياسية أو أمنية أو حتى قضائية... كان يتدخل حتى في لقمة المواطن". ويأمل في أن "يجري اتخاذ قرارات في المجلس تتعلّق بأمن البلد والمواطن وتحمي سيادة الدولة، لا أن يكون كسابقه يحمل الظلم للشعب".


يبقى السؤال الأهمّ: هل سيتمكّن مجلس الأمن القومي الجديد من تحقيق العدالة وحماية سيادة الدولة، من دون أن يتحوّل إلى أداة قمعية بيد السلطة؟ الإجابة ستتضح مع الوقت، لكن ما يأمله السوريون هو أن يكون هذا المجلس بداية لعهد جديد، لا امتداداً لحقبة من الظلم والانتهاكات.