نديم داوود العريضي

الدكتور بشير العريضي تاريخ ناصع... ومآثر لا تحصى

3 دقائق للقراءة

أخبرك يا دكتور بشير، ربّما كنت غارقاً في البحث والتمعّن بظاهرة الموت وأنت تعيشه... أنّك على المنيّة لم تكن ميتاً بل كنت نبضاً من تاريخ يسرد بكل هيبة ووقار، وقائعاً وأحداثًاً وعلوماً وأبحاث، وكانت منيّتك تُلقي علينا الشعر والحكم، وبعض الطرائف الممتعة، الآسرة للعقل والقلب معاً، وعيونك هذه المرّة، كانت تضحك من خلف أهدابك التى أخذها الغفى في استراحة عفوية، وكأنّه القدر أراد أن يستأنس بك، فأخذك منّا رغبة منه في الحوار مع عقلك، لتجرّدك، وصوابية رأيك وجميل سردك، وربّما ليعرف عن حاله أكثر، ووقعه من وجهة نظرك.


في يوم وداعك شيّعتك بعض الأقلام التي بريتها وانبرى أوفياء، كنت قد شكّلت أسساً لهم بنوا عليها شخصيّاتهم وقاماتهم الإعلامية وثقافتهم الإنسانية وعلومهم السياسيّة...


أيها المرحوم الدكتور أبا ربيع، الذي فُقت عصرك وعياً ومعرفةً وحكمةً وعلماً.


ها هي بيصور تودّعك بأوفيائها ومخلصيها، وقد احتضنتك تُربتها هامسة في سرّها وسرّك، همس الحكمة البالغة بمشاعر الأمومة، ها قد عدت يا ولدي؟! وقد تُطفئ الارض شوقها بضمّك إليها، ولكنها لن تُطفى شوقنا أليك ونبض قلوبنا.


فالإعتزاز والفخار، بكل ما تناقلته على أسماعه الأحاديث وآراء الحكّام والأمراء والشيوخ والمستشارين الذين التقاهم، ثناءاً عليك وإعجاباً بك، وخاصة صديقك أمير دولة الكويت ومسؤوليها، الذين اصطفوك مستشاراً للديوان الأميري ما يقارب الخمسة وثلاثين عاماً.


وأخيراً أنا الفخور بمعرفتك وقربك فأقول:


بشير العريضي هذا القريب البعيد، الذي كان يُدفئ قلوبنا، ويُنير دروبنا كقمر، كنا ننتظره أن يهل، كلما عاد من سفرٍ، أو جاء من المدينة ليملأ دور الحي ودروبه فرحاً بلقياه، ومرحاً بأخباره المبهجة، وبأقاصيصه الغريبة على بيئتنا آنذاك، حينما كنت صغيراً، كنت أفتعل المصادفة لملاقاته، لأنه بالتأكيد كان سيعطيني في كلّ مرّةٍ ألقاه ليرة، وهذه لم أكن أراها حينذاك إلّا في جوارير الدكنجيّة...


كانت أحاديثه تُبعثر أفكارنا المقوْلبة لنعيد وإيّاه ترتيبها من جديد، فنعيش الأمس في الغد، والحضيض، في القمم المُطلّةِ على المستقبل المدهش، كل هذا قبل أن يكون أبو ربيع...


فقيدنا اليوم ذهب يافعاً إلى أميركا، وعاد بجيوبٍ خاوية تقريباً، ولكنّه محمّلٌ بذهب المعرفة وسكن المدينة قريباً من الجامعات التي درّس فيها، وتبوّأ المناصب، عن طائفة الوطن، مُتخطّياً أحياناً أعراف التحاصص الطائفية، فكم وُهِبَ من وظائف عالية للإستفادة من علمه وخبرته، بمعزل عن أحقّيته طائفيّاً ! وكم شرّف وطنه وطائفته وبيصوره وأهله ومُحبّيه في أيّ وظيفة شغلها، فلم يُعطِ من لا يستحق، ولم يأخذ ما ليس له به حق، وكم صدّ من مُتنفّذين أرادوا بالواسطة أن يتسوّلوا علامات ترفيعيّة ويمنحوا وظائف إدارية لجهلةٍ من غير مُستحقّيها!


فشجرة أبا ربيع التي تبرعمت في أميركا وأزهرت في لبنان، لم تنفصل يوماً عن جذورها البيصوريّة العميقة، وقد أثمرت إحتراماً وتقديراً وحبّاً لرجُلٍ ذي علمٍ ووقار، هادر كالحق، هادئٌ كالمزار، وكم ذاع أسمه فبات كل من يخصّه يلقى ترحيباً وتسهيلاً لأموره عرفاناً له وعلى إسمه من دون معرفته... رحمك الله يا دكتور بشير وطيّب ذكراك ورزقنا مسؤولين على هديك وخطاك وجعل الجنّة مثواك...