لو قُدّر للكاتب البريطاني باتريك سيل العيش إلى يومنا هذا، لكان أصدر جزءاً جديداً من كتابه "الصراع على سوريا"، مع تغيّر الأدوار والشخصيات بفِعل دخول لاعبين جدد على المشهد القائم حالياً في بلاد الشام.
سوريا التي كانت تعدّ أحد اللاعبين البارزين في منطقة الشرق الأوسط حتى عام 2011، أصبحت ميداناً للشرق والعالم يتطلّع إليها الجميع بفِعل موقعها الجيوسياسي آملين الحصول على موقع متقدّم فيها نتيجة المشهد الضبابيّ المعقّد المسيطر على أجوائها.
ومنذ انطلاق الثورة السورية، لم يعُد السوريون يمتلكون القرار في بلادهم، وحتى نظام بشار الأسد الذي أراد الحكم بالحديد والنار، فقدَ السيطرة إن كان على صعيد الجغرافيا أو حتى القرارات السياسية والأمنية والعسكرية التي صادر حلفاؤه معظمها، وباتوا في سدّة القرار يأمرون وينهون.
السقوط المفاجئ للنظام السابق، أدخل لاعبين جدداً بشكل مباشر على المشهد، ولكلّ منهم طموحاته، وتأتي تركيا راعية المعارضة وعرّابة "هيئة تحرير الشام"، على رأس لائحة الدول الراغبة في تحقيق أهدافها في البلد الجار، ولا تقتصر طموحات أنقرة على مجالات محدّدة، فهي تعمل على بسط نفوذها في الداخل السوري من العسكر إلى الأمن والاقتصاد وهيكلية الحكم المرتبطة إلى حدّ كبير بمساعيها لمنع الكرد من تأسيس كيان ذاتي تعتبره خطراً على أمنها القومي.
محاولات تركيا التمدّد في عرض الجغرافيا وطولها، تُقابل باستنفار إسرائيلي لكبح توسّع "أحلام السلطنة" وعلى وجه التحديد في المناطق القريبة من حدود الدولة العبرية. فتل أبيب لا تبدي اهتماماً شاملاً بسوريا كما حال الأتراك، وأولويّتها أمنية كي لا ترى كابوس 7 أكتوبر/تشرين الأوّل جديد، هذه المرّة من الشمال الشرقي.
رغم كلّ التطمينات التي أرسلتها الإدارة السورية الجديدة، غير أن الإسرائيليين لا يسقطون من ذهنهم ما فعله يحيى السنوار الذي أسمعهم ما يطرب آذانهم عندما كان في سجونهم عن الهدنة الطويلة الأمد والرغبة في العيش بسلام، ثمّ فاجأهم في سبت دموي وصفوه بـ "الهولوكوست الثاني". لذلك، يريدون بناء منطقة أمنية بعمق 80 كيلومتراً، كما تحدّث قادتهم، وليس خفياً أن لا مصلحة للإسرائيليين في وجود نظام مركزي في سوريا، على غرار نظام الأسدَين.
الدول العربية، خصوصاً القريبة من سوريا، لا تمتلك مشروعاً توسّعياً أو تسعى إلى وصاية على نظام دمشق، فهي بالأصل كانت ولا تزال تريد تثبيت الاستقرار فيها. لذلك، عملت على إعادة بشار الأسد إلى الجامعة العربية، وجلّ ما تريده هو وقف تسونامي "الكبتاغون"، وإيجاد حلول للمهاجرين الذين قدموا للقتال منذ 13 عاماً لأنها تخشى تسرّبهم إليها، وأيضاً لا تحبّذ طغياناً تركيّاً على المشهد الدمشقي بشكل خاص، بل تريده سوريّاً خالصاً.
ومع الهزائم المتلاحقة لحلفائها في المنطقة، تُعدّ إيران الحلقة الأضعف حاليّاً وسط الدول الطامعة بحصّة في سوريا، فرأس جسر مشروعها، أي "حماس"، لن تكون قادرة على حكم غزة، وقلبها النابض "حزب اللّه" الذي تمدّد إقليميّاً، أصبحت ترسانته العسكرية التي تعدّ نقطة قوّته وعلّة وجوده، مطروحة على طاولة المفاوضات تمهيداً لنزعها، وستتكفّل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقليم أظافر الحوثيين على البحر الأحمر، وبعدها سيحضر ملف "الحشد الشعبي"، قبل أن تنتهي مهلة الشهرين المعطاة لطهران أميركيّاً. وبالتالي، يفتّش النظام الإيراني عن حبل نجاة خوفاً من سقوط داخلي مع انعدام فرص خلط الأوراق خارجيّاً يُمكّنه من التفاوض من موقع قوّة.
روسيا التي ساهمت في إسقاط حليفها بشار الأسد عبر رفع الغطاء عنه في أسابيعه الأخيرة، تتنافس مع الأوروبّيين بشكل مباشر على النفوذ في بلاد الشام، وطموح موسكو الأدنى الحفاظ على قواعدها العسكرية على الساحل السوري، والأقصى التأثير على سوريا ومحاولة تقديم نفسها كحليف استراتيجي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع انطلاقاً من الحلف السوري - الروسي القديم، ولِم لا قد يرى الروس أن الشرع بإمكانه أن يكون رمضان قديروف العربي، بينما يريد الأوروبّيون لجم نفوذ موسكو في شرق البحر المتوسط للحصول على مكاسب من الغاز، وأيضاً التفاوض مع دمشق لإعادة ملايين اللاجئين السوريين في أوروبا.
وبين كلّ الدول المتنافسة، تراقب الولايات المتحدة المشهد عن بُعد. وبحسب المعلومات، لم تنضج بعد الرؤية السياسية لواشنطن نتيجة انشغالها، أوّلاً بملف الحرب الروسية - الأوكرانية، وثانياً بمسألة إيران وجماعاتها، ولكن الإدارة الحالية لا تنظر بإيجابية وإعجاب إلى حكّام دمشق الجدد بسبب خلفيّتهم الجهادية. وهذا ما عبّر عنه نائب الرئيس جي دي فانس، وحتى وزير الخارجية ماركو روبيو، وساهمت أحداث الساحل في تعزيز هذه النظرية. كما أن البيت الأبيض يستمع إلى الموقف الإسرائيلي المنطلق من اعتبارات تتعلّق بالأمن القومي. ولكن، في ظلّ وجود رئيس كترامب، ستبقى الأمور مفتوحة على مصراعيها، خصوصاً مع وجود دول عربية تعمل بقوّة أيضاً على الترويج لنظام أحمد الشرع في الأروقة الأميركية.