ديما حسين صلح

السلاح كهوية طائفية :لماذا لا يزال لبنان رهينة للميليشيات؟

5 دقائق للقراءة

ديما حسين صلح


في لبنان، لا يزال السلاح أكثر من مجرد أداة قتالية؛ هو هوية، سلطة، وضمانة وجود. منذ انتهاء الحرب الأهلية، وُضعت أسس نظرية لدولة حديثة، لكن في الواقع، لم تتحقق هذه الدولة، لأن السلاح ظل حاضرًا في يد الجماعات المختلفة، ليس كوسيلة للدفاع فحسب، بل كجزء من منظومة القيم الطائفية التي تحدد الولاء، القوة، والكرامة. في بلد صغير بتعقيدات هائلة، حيث الدولة ضعيفة والطوائف أقوى من المؤسسات، لا يزال السؤال قائمًا: لماذا لا تزال الجماعات اللبنانية تبحث عن مبررات دائمة لامتلاك السلاح، حتى في زمن السلم؟


لبنان، بتركيبته الفريدة، لم يكن يومًا دولة مركزية قوية، بل كان دائمًا خليطًا من الولاءات المتعددة. في هذا السياق، لم يكن السلاح مجرد أداة للحرب، بل أصبح امتدادًا للهوية الطائفية. منذ تأسيس الكيان اللبناني، لم يشعر أي مكوّن طائفي بأنه محمي بالكامل، فكانت كل طائفة تسعى إلى امتلاك “ضمانتها” الخاصة، سواء عبر الميليشيات، العشائر، أو النفوذ المسلح. ومع كل أزمة، كان الحل دائمًا هو المزيد من التسلح، لا مزيد من بناء الدولة.


هذه العقلية تعززت خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، حيث لم يعد السلاح مجرد وسيلة للحماية، بل تحوّل إلى رمز للوجود الطائفي نفسه. بعد انتهاء الحرب، لم تختفِ هذه الذهنية، بل استمرت بأشكال مختلفة، مع بقاء السلاح بيد جهات تعتبره “ضرورة استراتيجية”، بحجة أن لا أحد يمكنه الوثوق بالدولة. وهكذا، تحوّل لبنان إلى دولة داخل الدولة، حيث السلطة الحقيقية ليست في القصر الجمهوري، ولا في البرلمان، بل في مستودعات السلاح، في المعسكرات، وفي من يملك القوة لفرض إرادته على الآخرين.


لطالما كان الخوف هو الوقود الأساسي لبقاء السلاح في لبنان. الطوائف لا تثق ببعضها، والأحزاب المسلحة تبرر تسلحها بأن الآخرين مسلحون أيضًا. هذا المنطق جعل من الصعب الحديث عن نزع السلاح، لأن أي محاولة لذلك تُواجه بشعار جاهز: “كيف نرمي سلاحنا بينما غيرنا لا يزال يحمل سلاحه؟”. هكذا، يصبح السلاح “ضمانة” للطائفة، وليس تهديدًا لها، ويُبرر بقصص تاريخية من الغدر والخيانة، وكأن لبنان محكوم عليه بأن يعيش في دائرة مغلقة من العنف غير المعلن.


المفارقة أن هذه الذهنية ليست محصورة بطائفة واحدة؛ الجميع يؤمنون بأن الدولة ضعيفة، وبأن الاعتماد على السلاح هو الحل. حتى الفئات التي تدّعي نبذ العنف، سرعان ما تلجأ إليه عندما تشعر أن مصالحها مهددة. وهكذا، يصبح لبنان بلدًا لا يحكمه القانون، بل توازنات الخوف والسلاح، حيث كل طرف يخشى أن يكون الحلقة الأضعف في معادلة غير مستقرة أصلًا.


ما يجعل المشهد اللبناني أكثر تعقيدًا هو أن السلاح لم يعد مجرد وسيلة دفاعية، بل أصبح أداة استقواء. عندما تمتلك طائفة ما السلاح، فإنها لا تستخدمه فقط لحماية نفسها، بل تفرض به معادلات سياسية وأمنية على الآخرين. في لبنان، لم يعد السلاح وسيلة للحماية فقط، بل تحوّل إلى أداة تحكم، تهديد، وسيطرة.


المشهد اللبناني مليء بالأمثلة على ذلك: فصيل مسلح يفرض قرارًا سياسيًا بالقوة، عشيرة تنتقم بالسلاح لأن أحد أفرادها قُتل، ميليشيا تفرض إيقاعها على الدولة، ومواطن بسيط يشعر أنه لا يمكنه الحصول على حقه إلا إذا كان مدعومًا من طرف مسلح. في هذا الواقع، يصبح السلاح هو القانون، وتصبح الدولة مجرد هيئة شكلية لا تملك إلا البيانات الإعلامية.


من الناحية النفسية، يرتبط امتلاك السلاح في لبنان بمفاهيم مثل الكرامة، القوة، وعدم الخضوع. في ثقافة مبنية على التنافس الطائفي، لا يمكن لفئة أن تشعر بالأمان إلا إذا امتلكت قوة توازي أو تفوق قوة خصومها. هذه الفكرة متجذرة بعمق، لدرجة أن الطوائف التي لا تملك سلاحًا تسعى للحصول عليه بأي ثمن، ليس بالضرورة لاستخدامه، بل لضمان عدم تعرضها للإذلال من قبل الطوائف الأخرى.


في لبنان، لم تتطور فكرة “المواطن الفرد”، بل بقي الانتماء الطائفي هو المحدد الأول للهوية. وهكذا، فإن التخلي عن السلاح ليس قرارًا سهلًا، لأنه مرتبط بشعور الطائفة بذاتها، وبموقعها في الميزان اللبناني الهش. في بيئة كهذه، يصبح من المستحيل إقناع الناس بأن الحماية تأتي من الدولة، وليس من البندقية.


السؤال الأهم: كيف يمكن للبنان أن يبني دولة حديثة في ظل استمرار هذه العقلية؟ في كل دول العالم، لا يمكن أن توجد دولة فعلية عندما يكون السلاح خارج سلطة القانون. لكن في لبنان، هناك قناعة شبه عامة بأن الدولة غير قادرة على حماية الجميع، وبالتالي فإن الحل الوحيد هو أن تبقى كل طائفة مستعدة لأي مواجهة مستقبلية.


هذا الوضع يعني أن لبنان سيبقى عالقًا في حلقة مفرغة: لا يمكن بناء دولة لأن السلاح منتشر، ولا يمكن نزع السلاح لأن الدولة ضعيفة. وهكذا، يبقى لبنان رهينة لهذا التناقض القاتل، حيث الحديث عن بناء الدولة لا يتجاوز حدود الخطابات، بينما الواقع يبقى محكومًا بمنطق القوة والسلاح.


لبنان ليس مجرد بلد، بل مختبر سياسي لطريقة تفكير العرب في السلطة، القوة، والخوف. لا يمكن بناء وطن حديث بينما لا تزال الطوائف مقتنعة بأن السلاح هو الضمانة الوحيدة للبقاء. ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية بينما السلاح هو الذي يرسم الحدود بين الممكن والممنوع.


إن المشكلة ليست فقط في وجود السلاح، بل في أنه جزء من العقلية الجماعية. إنه ليس مجرد وسيلة، بل قيمة اجتماعية، امتداد لهوية الطوائف، وأداة لترسيخ النفوذ. ما لم يحدث تحول جذري في هذه النظرة، سيبقى لبنان عالقًا بين ماضٍ لم ينتهِ، ومستقبل لن يبدأ. والنتيجة: دولة ضعيفة، مجتمع متوتر، وحياة محكومة بمنطق السلاح، لا منطق القانون