د. جوسلين البستاني

لأننا في شهر مارس

4 دقائق للقراءة

أصدر "حزب الله" يوم الثلثاء الفائت بياناً دان فيه بأشدّ العبارات استئناف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة و"قرار حكومة نتنياهو الإرهابية بالانقلاب على وقف إطلاق النار"، مؤكداً أن "هذا الكيان المارق، ومعه الإدارة الأميركية، لا يحترمان أي تعهدات أو اتفاقات". لكن المفارقة تكمن في أن هذا التصريح صادر عن مجموعة مسلحة اعتادت على التضليل ونكث العهود والانقلاب على الاتفاقات، كما حدث في اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بينها وبين إسرائيل.


في عالم السياسة، يُمكن للمُضلِّل أن ينتقي من الواقع ما يخدم أطروحته، متجاهلاً الحقائق التي لا تصبّ في مصلحته. فالتضليل، بأسلوبه المنهجي، يُعدّ أداة فعّالة لطمس الحقائق، غير أن هذا النهج بات مكشوفاً. وبالتالي، إذا ركّزنا فقط على الخروقات الإسرائيلية، ورغم صعوبة تحديد دوافعها بدقّة، فإن كل المؤشرات تُشير إلى أنها تُستخدم ضمن استراتيجية استفزازية تهدف إلى عكس المسؤوليات وإثبات استحالة التوصّل إلى حلّ سلمي. وبحسب منطق "حزب الله"، فإن هذه الخروقات تبرهن على صوابية خياره في تبنّي المقاومة والاحتفاظ بسلاحه، بحجّة أن البدائل الأخرى غير مجدية، والدليل حاضر أمامنا...


من جهة أخرى، يُحمّل "حزب الله" الدولة مسؤولية الردّ على هذه الخروقات، رغم أنه هو من استجلبها، في محاولة لتوريطها وإثبات عجز الجيش عن التصدّي لها. إنه أسلوب يُذكّر بالتكتيكات التي استخدمتها الحركات اليسارية المُتطرّفة في السبعينات، حين كان الشارع يفرض إرادته على الدولة عبر أعمال الشغب العنيفة. آنذاك، كان من الصعب تحديد المسؤول الفعلي عن هذه الحوادث، لكنها كانت جزءاً من استراتيجية تخريبية مُنظّمة، تقوم على افتعال الأزمات وتصعيدها. ويمكن تلخيص هذه الديناميكية في ثلاث مراحل: أهاجمك، فتدافع عن نفسك، فأصِفك بالقمعيّ، مما يبرّر هجومي عليك مجدداً.


وحين يُسأل قادة "حزب الله" عن كيفية ردّهم على الخروقات الإسرائيلية، يُجيبون بحذر: "لا نريد أن نستعجل الأمور". من الواضح أن ما يهمّ "حزب الله" حالياً هو استعادة قدراته العسكرية، وإعادة تنظيم مجموعته، وإرجاع أهالي الجنوب إلى قراهم. بالتالي، لا توجد لديه النيّة، لا في الردّ على الخروقات الإسرائيلية، وهو الذي لطالما تغنّى بالدفاع عن لبنان، ولا في مساندة غزّة بعد تجدّد المعارك، إلا إذا قرّرت طهران ذلك. من هنا، نلاحظ أن "حزب الله"، تمامًا كما إيران قبله، أصبح يُفضّل المكاسب المحدودة على الخسائر الحاسمة من أجل البقاء، وصولاً إلى السيطرة مُجدداً على مفاصل الدولة، أو هكذا يحلم. لذلك، لن تتخلّى إيران عن "حزب الله"، وما زالت حقائب المال تصله حتى ولو بوتيرة أضعف. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى مشاركة ضباط من الحرس الثوري الإيراني في تقييم الأضرار المادية في الجنوب تحت غطاء الهلال الأحمر الإيراني. المهمّ هو مساعدة "حزب الله" على استعادة عافيته، لأن وظيفته الأساسية، وقبل محاربة إسرائيل، تكمن في نشر قِيَم الثورة الإسلامية في لبنان والتوصّل إلى تحويله إلى إيران أخرى، تماماً كما كان حاصلاً في الثمانينات.


ولكي لا نسمح لـ "حزب الله" بإعادة صياغة مفاهيم الحق والباطل وفقاً لمعاييره الأخلاقية والدينية الخاصة، لا بدّ من استرجاع حقائق الماضي الأليم، حين كانت تُصدر الأحكام الشرعية بقتل "المفسد في الأرض". ففي مارس عام 1986، نفّذ "حزب الله" حكم الإعدام بحق أحد عشر شخصاً، بينهم امرأتان، متهماً إياهم بتنفيذ عمليات تفجير واغتيال، كان أبرزها تفجير بئر العبد. وعلّق "الحزب" على ذلك بأن الإعدام جاء "تحقيقاً لأمر الله العادل الحكيم". 


استند "حزب الله" في قراره إلى تقرير صادر عن جهاز التعبئة الأمنية، من دون أن يكشف عن تفاصيل التحقيقات أو كيفية انتزاع الاعترافات. لقد شكّلت هذه الحادثة نموذجاً صارخاً لممارسة استبدادية خطيرة، سعت إلى طمس الأطر التفسيرية للأحداث وتكريس منطق القوة بديلاً عن القانون، وينبغي أن تكون حافزاً لعدم السماح بعودة سطوة "حزب الله" من جديد.