77778

الإصابات

610

الوفيات

39123

المتعافون

الرحلات البحرية تصارع للصمود بزمن كورونا

02 : 01

توقفت 400 سفينة عن العمل موقتاً حول العالم بسبب فيروس كورونا المستجد. بدأت شركات عدة تستأنف عملها بشكلٍ محدود الآن، لكن لن يسترجع هذا القطاع وضعه الطبيعي قبل مرور سنوات. حين بدأ فيروس كورونا ينتشر حول العالم، اعتُبِرت السفن السياحية فجأةً مصدر تهديد ولم تعد الموانئ الدولية تستقبلها. لكنه قرار مبرر! في وقتٍ سابق من هذه السنة، عاشت سفينة "دايموند برنسيس" البريطانية كابوساً حقيقياً بعدما اجتاحها فيروس كورونا في اليابان، ثم حُجِرت في ميناء "يوكوهاما". ومن أصل 3711 شخصاً على متنها، التقط 712 العدوى وتوفي 14 منهم.

كانت الحادثة المذكورة أعلاه بداية النهاية. بعد وقتٍ قصير، توقفت 400 سفينة عن العمل حول العالم ولم يستأنف معظمها نشاطه حتى الآن. في خليج مانيلا وحده، ترسو 24 سفينة منذ شهر أيار الماضي.

اليوم، تحاول خطوط الرحلات البحرية إطلاق بداية جديدة عبر تنظيم رحلات متقطعة. لكنّ الخطأ ممنوع: يكفي أن تُسجَّل إصابة واحدة بفيروس كورونا على متن أي سفينة كي تتلاشى ثقة الناس بهذا القطاع مجدداً.

تغيرت الحياة اليومية في السفينة السياحية "مين شيف 6". قبل الدخول إلى قاعة الفطور، يخضع كل ضيف للمراقبة فيما يغسل يديه ويعقّمهما. ويقدم طاقم السفينة الطعام الموجود على طاولات البوفيه، ويتلقى كل من يتجاوز خطوط التباعد المرسومة على الأرض إنذاراً.

يبدو الطاقم المسؤول عن تنظيف الطاولات بعبوات كبيرة من المعقمات والقطع القماشية أشبه بمحاربين يخوضون معركة ضد الفيروس. يعمل 633 عنصراً على متن السفينة ويساوي عددهم الركاب تقريباً. في الظروف العادية، كان معظم أعضاء الطاقم على متن السفن السياحية من الجنسية الفلبينية. لكن بسبب ضوابط السفر وصعوبة المجيء من الفلبين اليوم، يأتي معظم الموظفين في هذه السفينة من إندونيسيا. لقد خضعوا بدورهم لفحص كورونا قبل السفر ووُضعوا في الحجر الصحي قبل صعودهم على متن السفينة ويحرصون جميعاً على وضع كمامات على وجوههم.





قروض سخية

قدّم "بنك الائتمان لإعادة التنمية" في ألمانيا قروضاً سخية لهذا القطاع، حتى أن شركات الرحلات السياحية الخارجية استفادت من قروضه شرط أن تشتري سفنها العملاقة من أحد حوضَي بناء السفن السياحية في ألمانيا: حوض "ماير" في "بابنبورغ"، أو حوض "أم في" في "روستوك" و"فيسمار". يصل مجموع القروض حتى الآن إلى 8 مليارات يورو تقريباً.

كذلك، قدّمت الحكومة الألمانية ضمانات لعقود بناء السفن تصل قيمتها إلى 25 مليار يورو. ستواجه الحكومة كارثة كبرى إذا ذهبت تلك الأموال سدىً في حال بقي تعافي قطاع الرحلات السياحية بطيئاً جداً.

برأي نوربرت براكمان، عضو حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" الألماني المحافِظ ومنسّق السياسة البحرية مع الحكومة الاتحادية، لا مشكلة في المعاملة المميزة التي يحظى بها هذا القطاع: "ألمانيا رائدة عالمياً في مجال بناء السفن السياحية. إنها وظائف عالية المستوى ونريد الحفاظ عليها في ألمانيا".

يعتبر برنارد ماير (72 عاماً) هذه الكلمات بمثابة بوليصة تأمين على الحياة. هو يملك أكبر حوض لبناء السفن السياحية وتتعامل معه معظم شركات السفن الكبرى. هكذا كان الوضع على الأقل قبل تفشي الوباء المستجد. لطالما فضّلت الشركات سفن ماير مع أنها أعلى كلفة من تلك التي يعرضها منافسوه.


كيف تصبح السفن مقاوِمة للفيروسات؟

اليوم، يتساءل عملاء ماير بشكلٍ أساسي حول ما يستطيعون فعله لجعل سفنهم مقاومة للفيروسات. يحاول ماير إيجاد الحلول بالتعاون معهم. أحياناً، يكفي أن تُنقَل الطاولات في المطاعم لتغيير اتجاه تدفق الهواء. يشمل حوض بناء السفن أيضاً برنامجاً لتعقب السلاسل المحتملة من العدوى على متن السفن. أصبح جميع موظفي الشركة داخل حوض "بابنبورغ" في إجازة جزئية ويعمل معظمهم طوال 30 ساعة أسبوعياً بدل 35 ساعة. تملك الشركة مشاريع قيد التنفيذ حتى العام 2025، لكنها لم تتلقَ أي طلبات جديدة.

يقول ماير: "أنا لا أجلس في الزاوية وأتذمر من تدهور الوضع الراهن. سُئِلت مئات المرات عن فرصة صمود حوض بناء السفن الذي أملكه. لقد طرحوا عليّ السؤال نفسه حين أصبح اليابانيون جزءاً أساسياً من هذا القطاع وعندما تحوّل الكوريون إلى قوة رائدة أيضاً. اليوم ينافسنا الصينيون ونواجه في الوقت نفسه فيروس كورونا. لكن لا يمكننا أن نمضي الوقت كله ونحن نفكر بطريقة هلاكنا".

كان ابن برنارد ماير، جان (43 عاماً)، يجلس بالقرب من والده، وهو يمثّل الجيل السابع في عائلته الناشطة في قطاع الشحن. درس جان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المعروف في "كامبريدج" وقد استلم إدارة الشركة مجدداً هذا الصيف بعد انشغاله بمشروع آخر في حوض بناء السفن التابع لشركة العائلة في مدينة "توركو" الفنلندية. لا يشكّ جان للحظة بأن الوضع سيبقى كما كان عليه في آخر 225 سنة: "لا أحد ينقل الرماد من جيل إلى آخر، بل نتناقل شعلة لا تنطفئ".

تمكنت عائلة ماير من إقناع العملاء بتأجيل موعد تسليم السفن التي طلبوها بدل إلغائها بالكامل. لكن تكمن المشكلة الحقيقية في هذا الجانب تحديداً: لا يُدفَع 80% من الكلفة الكاملة قبل موعد التسليم. لسد فجوة السيولة هذه، قدّم "بنك الائتمان لإعادة التنمية" والبنوك الأساسية التي يتعامل معها حوض بناء السفن قروضاً إلى الشركة. لا يتوقع الأب وابنه أي طلبات جديدة قبل العام 2022 وأصبحت الوظائف في شركتهما على المحك. هما يفكران أيضاً ببناء أشياء أخرى.

يمكن بناء العبّارات مثلاً لأنها قد تصبح خياراً معاصراً وصديقاً للبيئة في أوروبا قريباً، أو ربما قوارب نهرية تعمل بخلايا الوقود. في مطلق الأحوال، يريد ماير الاستفادة من زيادة أهمية المسائل البيئية. كانت شركته قد تولّت أصلاً بناء أول سفينة سياحية تعمل بالغاز الطبيعي المُسال وأطلقها خط الرحلات البحرية "عايدة" في العام 2018.



من سفن "مين شيف" في البحر الأبيض المتوسط



يبث احتراق الغاز الطبيعي المُسال كميات أقل من أكسيد النيتروجين ونسبة ضئيلة جداً من جزيئات السخام أو أكسيد الكبريت. في المقابل، يبث إنتاج الغازات الميثان الذي يُضِرّ بالمناخ. أشادت منظمة الحفاظ على الطبيعة "نابو" بالسفن العاملة بالغاز الطبيعي المُسال في البداية، لكن تزداد انتقاداتها لها في الفترة الأخيرة. حتى أن دانيال ريغر المسؤول عن سياسة النقل في "نابو" يخشى أن يُخفّض القطاع الاستثمارات المُخطط لها في التكنولوجيا الصديقة للبيئة غداة الخسائر الفادحة التي تكبّدها، فيقول: "نشعر بالقلق من غياب المليارات اللازمة للاستثمار في تقنيات صديقة للبيئة".

قد لا تبدي شركات الرحلات السياحية مثلاً استعدادها لشراء الطاقة البحرية حين تكون السفن في المرفأ، علماً أن عدداً صغيراً من السفن السياحية أقدم على هذه الخطوة أصلاً. يكون شراء الطاقة البحرية أعلى كلفة من توليد الكهرباء عبر تشغيل محركات الديزل في السفن.

يستطيع هذا القطاع أن يتوقع تفهماً عاماً وسياسياً إذا أدت نشاطاته إلى تجميد تدابير حماية المناخ والبيئة. في النهاية، قد تصبح الوظائف على المحك. يوضح ريغر: "نحن ندعو شركات السفن السياحية إلى الاستفادة من هذه المرحلة لتطوير مفاهيم تناسب المستقبل. وحدها الشركات التي تثبت قدرتها على كبح الانبعاثات نهائياً بحلول العام 2050 يجب أن تتلقى الأموال المدعومة من دافعي الضرائب".

قد يغيّر فيروس كورونا طبيعة هذا القطاع بطرقٍ أخرى. يفترض السياسي الألماني نوربرت براكمان أن النزعة إلى طلب سفن ضخمة ستتغير قريباً: "بدل السفن السياحية الكبيرة التي تَسَع اليوم بين 4 و5 آلاف راكب، يرتفع الطلب الآن على السفن التي تستطيع استيعاب حتى 2500 مقعد. هذا الوضع قد يفتح المجال أيضاً أمام وجهات جديدة".

لكن قد يتحقق سيناريو معاكس لأن السفن الأكبر حجماً تسمح بالحفاظ على التباعد الاجتماعي بين الركاب. في مطلق الأحوال، لن يكون حجم السفينة كافياً لحماية الناس من الفيروسات. من الضروري أيضاً أن توضع خطة طبية مناسبة. تشمل سفينة "مين شيف 6" على متنها طبيبَين وممرضتَين وخبيراً في النظافة الشخصية. وثمة سريران للعناية المركّزة وأجهزة تنفس اصطناعي، فضلاً عن جهاز لإجراء فحص كورونا وإعطاء النتائج خلال 70 دقيقة. يَصِف الطبيب رينيه بيلز تفاصيل هذه الخطة ويتكلم عن حَجْر المريض بعد التقاط العدوى في مقصورته في البداية قبل إنزاله عن السفينة وهو يرتدي بذلة واقية لكامل الجسم.



السائحان هايكو رول ويوجين هوفمان



في نهاية رحلة إلى اليونان مثلاً، قابل هذا الطبيب مرضى مصابين بالتواء في أصابع القدم ومريضاً تعرّض لنوبة قلبية، لكن لم تُسجّل أي إصابات بفيروس كورونا. ارتفعت حرارة بعض الركاب قليلاً بعد عودتهم من رحلات على الشاطئ، لكنهم شعروا بالحر بكل بساطة، فجلسوا في الظل كي تبرد أجسامهم قبل قياس حرارتهم مجدداً.

لكن يعبّر الجرّاح كريستيان أوتومان عن شكوكه بما يحصل. هو يرسل الأطباء والمتدربين إلى السفن حول العالم منذ العام 2001، وقد أمضى فترة وهو يعمل على متن السفن السياحية أيضاً، لذا يشعر بالتشاؤم بشأن الرحلات السياحية في المحيطات المفتوحة في زمن كورونا: "المستشفيات على متن السفن مجهّزة بما يكفي للتعامل مع الإصابات أو منع انتشار الفيروس. لكنّ المراكز الطبية في البحار ليست مُجهّزة لاستقبال المصابين بعدوى "كوفيد - 19". ويَقِلّ عدد الأطباء الخبراء بالحالات الحرجة على متن السفن".

يعتبر أوتومان المطاعم والكازينوهات والمسارح على متن السفن مناطق خطر أساسية ويخشى ألا يعود التباعد الاجتماعي كافياً حين تزيد الحجوزات مجدداً. لكن يبدو خط الرحلات البحرية الألماني TUI واثقاً بقدراته، إذ يخطط في السنة المقبلة لاحتفالات لن يشهدها أي بلد على اليابسة هذه السنة. تريد الشركة أن تستضيف مهرجانات لأيام عدة في عرض البحر!





يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.