بشار حيدر

"حماس" تخطف أهل غزة أيضاً وتجعلهم رهائن

3 دقائق للقراءة

في إسرائيل اليوم، هناك جمهور عريض غير راضٍ عن سلوك حكومته ويتهم رئيسها بعدم الاكتراث بحياة الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» وبمعاناتهم. يرى هذا الجمهور أن المسألة التي لا تحتمل التأجيل هي إنقاذ حياة الذين ما زالوا في الأسر، لذا يُطالب هؤلاء حكومتهم بإتمام صفقة الأسرى، حتى لو تطلب ذلك وقف الحرب من دون القضاء على «حماس». كذلك يعتقد جزء لا بأس به من هذا الجمهور بأن نتنياهو يرفض إتمام الصفقة لاعتبارات تتعلق بمصلحته الشخصية، وليس انطلاقاً من حرصه على مصلحة إسرائيل ومواطنيها.


لكن ماذا عن أهل غزة؟ ماذا يريد هؤلاء من «حماس» وقيادتها أن تفعل؟ هل يريدون منها أن تصر على حكم القطاع، حتى لو أدى ذلك إلى استمرار الحرب ومعها المزيد من تلك العذابات التي أذاقتهم إسرائيل الكثير منها حتى الآن؟


للأسف، وعلى خلاف الحال في إسرائيل، لا توجد في غزة حياة سياسية مستقلة عن «حماس» وشركائها، كما لا توجد قوى أو أحزاب معارضة، لا قبل الحرب ولا بعدها، من شأنها أن تظهّر آراء ومواقف الغزاويين وتبلور مطالبهم. غياب هذه الأصوات هو في حد ذاته أمر تتحمل مسؤوليته «حماس» وشركاؤها في حكم غزة.


لكنْ في ظل هذا الغياب، أو التغييب، لأي صوت خارج سلطة «حماس» (وهي بدورها لا تمتلك اليوم أية شرعية انتخابية)، لن يكون في وسعنا إلا محاولة تصور رغبات سكان غزة على ضوء ما نعرفه عن أحوالهم، ويبدو في هذا أنهم أمام خيارين:


الأول هو القبول باستمرار الحرب ومعها معاناتهم، بدون أفق لتحقيق أي نصر ولو بالحدود الدنيا، خصوصاً في ظل دعم إدارة ترامب غير المحدود لإسرائيل.


والخيار الثاني هو القبول بإنهاء حكم «حماس» وأخواتها لغزة، وهو شرط حكومة إسرائيل الحالية لإيقاف الحرب.


ومن الصعب الجزم بشكل قاطع في صدد انقسام آراء الغزاويين، وبأية نسب، حيال هذين الخيارين. لكن من المستبعد أن ينحاز القسم الأكبر منهم إلى خيار استمرار الحرب وويلاتها عليهم وعلى أبنائهم وبناتهم فداءً لاستمرار حكم «حماس» للقطاع. فمن غير المنطقي او الإنساني الافتراض بأن معظم الغزاويين سيختارون البقاء في جحيمهم الحالي من أجل الحفاظ على حكم فريق لم يجلب لهم أياً مما يتوقون إليه ولو في حده الأدنى، اي إنهاء الحصار الاسرائيلي والعيش بكرامة. لا بل على العكس، فقد أدت حرب «حماس» وخياراتها إلى مفاقمة حصارهم وآلامهم إلى حدود لا توصف.


ومن دون الأخذ برغباتهم، واختزالها بقرارات تتخذها قيادات فاقدة للشرعية الديمقراطية، يفقد الغزاويون كل قدرة على لعب أي دور في تقرير مصيرهم، وتصبح حالهم كحال الأسرى الإسرائيليين: رهائن في قبضة «حماس»، مع فارق مهم هو أن لدى الأسرى الإسرائيليين من يكترث لأمرهم ويسعى إلى تحريرهم. أما رهائن «حماس» من أهل غزة، فلا معين لهم حتى الله.


والمؤسف والمحزن أيضاً أن لا أصوات فلسطينية في الشتات تخرج اليوم لتطالب «حماس» بقليل من الرأفة بأهل القطاع. ألا يرى هؤلاء أنها غير قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الطموحات السياسية أو الوطنية للغزاويين، وغير قادرة كذلك على حماية أبسط حقوقهم الإنسانية في أمنهم وعيشهم، وأن ما تقدمه لهم «حماس» اليوم ليس سوى مزيد من دورات الذل والقهر.


لا جدال في أن إسرائيل لا تكترث لسكان غزة ومعاناتهم. لكن هذا القول يصح اليوم أيضاً في «حماس» وقياداتها.